الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مقهى أبو رقية

← بواسطة azzaman

كلام أبيض

مقهى أبو رقية

جليل وادي

 

لم أتردد أبداً، بل كنت أكثر حماساً لتلبية الدعوة الكريمة التي وجّهها إليّ المنتدى الثقافي العربي، الذي يشرف عليه الفنان المسرحي الرائد سالم الزيدي، للحديث عن موضوع إعلامي يهم الرأي العام العراقي. ولم أجد أهم من التربية الإعلامية، فجاءت محاضرتي، التي قدّمني فيها الإعلامي المثابر وطالبي المميز مصطفى الهود، تحت عنوان (التربية الإعلامية حاجة مجتمعية).

ومع أن العالم أدرك مبكراً أهمية هذه الحاجة، ومخاطر إهمالها، والمنافع التي يمكن أن تقدمها وسائل الإعلام، قديمها وجديدها، فإن الجهات المعنية بالتنمية في بلادنا لم تُعر اهتماماً كافياً لما يقوله المختصون بالتربية الإعلامية. وقد تحولت همساتهم إلى صرخات بُحّت من شدتها حناجرهم، من دون أن تجد صدى يُذكر. ولعل ما قلته في هذا المنتدى هو إحدى تلك الصرخات التي نتمنى ألا تتوقف، لأن توقفها يعني دبيب اليأس في نفوسنا، والاستسلام للأقدار.

ومن دوافع حماسي أيضاً الدور الذي يؤديه المنتدى، إذ يعقد جلساته في مقهى شعبي يُعرف باسم (مقهى أبو رقية). فالقائمون عليه جاءوا بالثقافة والمعرفة إلى حيث يوجد الناس، بدلاً من انتظار حضورهم إلى مقار المؤسسات الثقافية. فكثيراً ما تحول مشاغل الحياة وضغوطها، والشعور المتنامي بضعف جدوى الأنشطة الثقافية، دون مشاركة الجمهور في الفعاليات التي تنظمها الاتحادات الأدبية والكليات الجامعية والمنظمات المجتمعية. وقد يحضر بعض المدعوين مجاملةً أو اضطراراً، او اجبارا كما يجري في الكليات مع الطلبة والموظفين، فتكون أجسادهم حاضرة وأذهانهم غائبة، ما يضعف التفاعل، ويقلل من حماس المحاضرين

وقد أثار النشاط الذي ينهض به المنتدى اهتمام مثقفين بارزين، باتوا يتابعون جلساته التي تُعقد صباح كل يوم سبت بضمنهم مثقفين خارج البلاد، يتابعونه عبر بث الجلسات مباشرة او مسجلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكان آخرهم الإعلامي المعروف الدكتور حارث عبود الذي أكد استحقاق مشرف المنتدى سالم الزيدي التقدير العالي، فعلى الرغم من تجاوزه السبعين، ما زال يمارس حراكاً ثقافياً وفنياً بحيوية الشباب، في مرحلة عصيبة تحتاج فيها بلادنا إلى كل جهد تنويري.

لقد جسّد الزيدي وجماعته مفهوم (المثقف العضوي) الذي طرحه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، وطوّره في دفاتر السجن. ويقوم هذا المفهوم على ارتباط المثقف بالمجتمع، وتعبيره عن همومه وتطلعاته، وإسهامه في تطوير وعيه وثقافته، ورؤيته للعالم من حوله. فالمثقف لا ينبغي أن يتقوقع على نفسه، محوّلاً الثقافة إلى مخزون معرفي حبيس تداول النخب، بل عليه أن يؤدي دوراً تنويرياً فاعلاً في المجتمع .

ويُعدّ المقهى أحد فضاءات المجال العام، الذي يُراد به الأمكنة التي يستطيع الأفراد مناقشة القضايا التي تشغل اهتمامهم بحسب تصور المفكر يورغن هابرماس، ومع اتساع دور مواقع التواصل الاجتماعي في النقاش العام، حاول المنتدى استقطاب مستخدميه إلى المقهى الشعبي، ليكون فضاءً حقيقياً وليس افتراضيا للحوار والتفاعل وتبادل المعرفة.

ما أسعدني في هذه الفعالية تلمسي لدى الحاضرين الرغبة في التحصيل الثقافي، فقد اكتظ بهم المقهى، الذي هيّأه صاحبه ليكون قاعة للمحاضرات، وجهّزه بما استطاع توفيره من أدوات الصوت. وكان لافتاً التزام الجمهور بالمواعيد، وحسن الإنصات، والتفاعل مع المحاضر، بالرغم من تنوع اهتماماته، إذ ضم متقاعدين وأصحاب حرف وأساتذة جامعة وعمالاً. وما يؤكد هذه الرغبة والاستعداد لاكتساب المعرفة، لانتقل بعضهم إلى المقهى الآخر الملتصق بهذا المقهى، حيث يمكنهم تبادل أطراف الحديث الذي يرغبون فيه .

وقد أدركت من هذه التجربة أن المجتمع ليس بالضرورة بعيداً عن الثقافة، بل ربما تكون الثقافة هي التي ابتعدت عنه. وحين تنجح في العودة إليه، وتقترب من اهتماماته واحتياجاته، ستجد من يصغي إليها ويتفاعل معها حتما.

من المؤكد ان المنتدى تمكن بحدود امكانياته من اعادة الثقافة الى حيث يجب ان تكون، واستثمار ساعتين من وقت وجود الحاضرين في المقهى بحديث نافع، بدلا من قضائه في كلام قد يكون فيه ما هو عابر وغير مهم، او لقضاء وقت الفراغ ليس الا، ولنا أن نفخر بما يقوم به المنتدى، ويكفي القائمين عليه شرف محاولة التغيير. ما أعظم الفعاليات البسيطة في تنظيمها، العميقة في موضوعاتها ودلالاتها، والقادرة على النفاذ إلى نفوس الناس وعقولهم، ما أجمل الأيام المشرقة بمصابيح الثقافة التنويرية .

jwhj1963@yahoo.com

 

 

 

 


مشاهدات 19
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/10/17 - 2:24 PM
آخر تحديث 2026/10/18 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 33528 الكلي 16618697
الوقت الآن
الأحد 2026/10/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير