الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عندما تتحوّل الوزارات إلى غنائم

← بواسطة azzaman

عندما تتحوّل الوزارات  إلى غنائم

حسين الزيادي

 

ما ان يعلن عن تشكيلة حكومية في بعض الأنظمة السياسية التي تعاني اختلالات بنيوية حتى يتحول المشهد العام الى ما يشبه الكرنفال الشعبي، فتعقد مجالس الاحتفاء والولائم المترفة والمظاهر الصاخبة احتفالاً بتسنم احدهم منصباً او وزارة، وهذه الاستعراضات المبالغ فيها بما تحمله من دلالات كارثية تكشف عن عمق أزمة ثقافة المنصب وتشوه مفهوم الوظيفة العامة، فانها تتحول إلى معول هدم يفرغ معنى المنصب او الوزارة من مضمونها وهدفها الحقيقي الذي يجب ان يكون موجهاً لخدمة الاخرين، وعندما يُستقبل الوزير بالأهازيج والتهاني التي تليق بالمنتصرين في الحروب لا بخدام الشعب، فإن ذلك يرسخ رسالة ضمنية مفادها أن الولاء والشخصنة هما المعيار والمقياس المتبع، وأن الكفاءة والنزاهة لستا سوى تفاصيل ثانوية تذوب في بودقة المحاصصة. المنصب بين التكليف الشرعي والأخلاقي

في القيم الدينية والأخلاقية الراسخة، يُنظر إلى المنصب على أنه تكليف شرعي ووطني وأخلاقي ثقيل الأمانة، وعقد التزام غليظ أمام الله أولاً، ثم أمام الخلق ثانياً، لحفظ مصالح العباد والبلاد، لا تشريفاً ولا رفاهية، وحري بمن استوزر وتسنم هذه الأمانة العظيمة أن يُستقبل بالملفات والدراسات والمقترحات التي من شأنها تطوير مؤسسته وان يكون مستشعراً لثقل التبعة وعظم المسؤولية، لا طرباً ولا مبتهجاً لكن المشهد الراهن يعكس انقلاباً خطيراً في هذه المعادلة؛ فصاحب المنصب يستقبل بالورود والأهازيج الفارغة.

اختبار خطير

ربما يتناسى البعض انه عندما يحصل على موقع أو منصب في محيطه الاجتماعي، فإنه يكون أمام اختبار جديد وخطير أمام خالقه وأمام الناس وهكذا هي الحياة ، ساحة امتحان وابتلاء في كل حال من أحوالها ، فقد رويّ عن الامام علي عليه السلام قوله: (الولَايات مضامير الرجال) ، فالمنصب  ليس عرشاً يعتلي عليه البعض ليأمر وينهى، وليس تاجاً ينصبه المسؤول على رأسه، بل هو خدمة لقضاء حوائج الناس والارتقاء بعمل المؤسسة بكل الاتجاهات، ويجب على صاحبه بذل أقصى الجهد لأداء واجباته الوظيفية بكل وطنية ونزاهة واخلاص ومعاملة الجميع على قدر سواء، لا تفريق بين مواطن وآخر، لان المنصب بكل سلطته التقديرية فضلاً عن كونه أمانة فهو عبادة خالصة لوجه الله تعالى، والأصل هو تحفظ المسلم الراغب في النجاة لنفسه من المناصب قدر المستطاع إلا ان يكون هدفه مساعدة الآخرين وتطبيق قواعد الانسانية والقانون، فقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق إلا أتى الله مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه.إن الأمة التي تُبتلى بتحويل مؤسساتها إلى غنائم تتقاسمها النخب هي أمة تبتعد تدريجياً عن مسار التنمية والازدهار، فالخدمات العامة، من صحة وتعليم وبنى تحتية وأمن واقتصاد، تصبح رهينة للمصالح الشخصية والفئوية، بينما يغرق المواطن البسيط في بحر من المعاناة والإحباط، لذا، فإن العودة إلى الصواب تتطلب إعادة الاعتبار للمفهوم الحقيقي للمنصب.

المنظومة الدينية

ان منظومتنا الإسلامية تمتلك فهماً وفلسفة عميقة لمفهوم المنصب فالمعيار الأساس الذي وضعه الإمام علي (عليه السلام) لاختيار الولاة والمسؤولين يقوم على التقوى الصادقة والتفاني في خدمة المجتمع، محذراً من اتخاذ المناصب وسيلةً لجباية الثروات أو الاستبداد بالسلطة، ومحذراً من الحاشية لانها في بعض الاحيان تحجب رؤية المسؤول بفعل ما تكتنزه من عبارات المديح والثناء والتبجيل فيبدأ يعتاش على هذه العبارات متناسياً ان خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة لقلوب النوكى (الحمقى) .

كما ورد عنه عليه السلام، وقد أرسا الامام ركائز إدارية راسخة، أبرزها إخضاع المسؤولين لرقابة ومحاسبة دورية مستمرة، تزامناً مع تذكيرهم بالمسؤولية الكبرى والمحاسبة النهائية أمام الخالق يوم القيامة.

وفي هذا السياق، دعا عليه السلام ولاة الأمور إلى استباق الحساب بمحاسبة النفس وتقييم أعمالهم باستمرار، في تأكــــــــــــــيد عميق على أن إدارة شؤون الناس ومقاليد الحكم ليـست مجرد جاهٍ أو ترف، بل هي أمانة عظـــيمة ومسؤولية جسيمة تُقاس بقيمة العطاء وخدمة الرعــــــــــــــــية بحكمة وإخلاص.

 


مشاهدات 65
الكاتب حسين الزيادي
أضيف 2026/10/17 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/10/18 - 12:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 19 الشهر 33379 الكلي 16618548
الوقت الآن
الأحد 2026/10/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير