الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأدب العراقي حين تصبح الكلمة شاهدة في زمن الحروب


الأدب العراقي حين تصبح الكلمة شاهدة في زمن الحروب

عصام البرّام

 

 

لم يعد الأدب العراقي اليوم مجرد مساحة للتعبير عن الذات أو استعادة الذاكرة أو استكشاف أسئلة الهوية، بل أصبح مرآةً لشرق أوسط تتنازعه الحروب والتحولات السياسية والاجتماعية، وتثقل كاهله المآسي الإنسانية وتداعيات الصراعات المتلاحقة. ففي منطقة تتغير خرائطها تحت ضغط النزاعات، وتتبدل ملامح مجتمعاتها بفعل التهجير والخوف والانقسام، يجد الأديب العراقي نفسه أمام مسؤولية ثقافية وأخلاقية تتجاوز حدود الكتابة الجمالية إلى محاولة فهم ما يجري، وتوثيق أثره في الإنسان، والدفاع عن حقه في الحياة والكرامة والأمل.

وليس غريبًا أن يحتل العراق مكانة خاصة في هذا المشهد؛ فذاكرته الحديثة محمّلة بالحروب والاستبداد والاحتلال والعنف الطائفي والهجرة، وهي تجارب تركت آثارها العميقة في الوعي الجمعي، وانعكست على الرواية والشعر والقصة والمسرح. غير أن الأديب العراقي المعاصر لا يكتب عن الماضي وحده، بل يواجه حاضرًا مفتوحًا على احتمالات شديدة التعقيد، تتداخل فيه أزمات الداخل العراقي مع التحولات الإقليمية، من فلسطين ولبنان إلى سوريا واليمن وسائر المناطق التي تعيش تحت وطأة الصراع أو تخشى امتداده.

إن السؤال الذي يواجه الأدب العراقي اليوم ليس كيف يصف الحرب فحسب، بل كيف ينفذ إلى ما وراء صور الدمار وأعداد الضحايا، ليكشف ما تفعله الحرب في الروح البشرية، وكيف تعيد تشكيل العلاقات والذاكرة واللغة، وكيف يتحول الخوف إلى جزء من الحياة اليومية، ويغدو الفقد تجربة مشتركة تتجاوز الحدود والجغرافيا.

الأديب العراقي بين ذاكرة الجراح وأسئلة الحاضر

تمنح التجربة العراقية الأديب قدرة خاصة على مقاربة الحروب، لا لأنه يمتلك إجابات جاهزة عن أسبابها ونهاياتها، بل لأنه ينتمي إلى مجتمع اختبر طويلًا معنى أن يعيش الإنسان بين ذاكرة مثقلة بالمآسي ومستقبل يصعب الاطمئنان إليه. لقد عرف العراقيون كيف يمكن للحرب أن تنتقل من الجبهة إلى البيت، ومن نشرات الأخبار إلى تفاصيل الحياة اليومية، وكيف يستطيع حدث سياسي واحد أن يترك أثره في عائلة كاملة، وفي مدينة، وفي جيل بأسره.

ومن هنا، لا تنحصر مهمة الكاتب العراقي في استعادة الوقائع التاريخية، بل تمتد إلى قراءة انعكاساتها النفسية والاجتماعية. فالرواية تستطيع أن تمنح الضحية صوتًا غاب عن الخطاب السياسي، وأن تكشف مصير الإنسان الذي اضطر إلى مغادرة بيته، أو فقد أحبته، أو وجد نفسه غريبًا في وطنه. أما الشعر، بما يمتلكه من كثافة لغوية وقدرة على اختزال الألم، فيستطيع أن يحول التجربة الفردية إلى نداء إنساني يتجاوز حدود المكان واللغة.

لكن التحدي الأهم يكمن في ألا تتحول الكتابة إلى تكرار للصور المألوفة عن الخراب والموت. فالحرب ليست مشهدًا للدمار وحده، وإنما هي أيضًا تفاصيل صغيرة تتسلل إلى حياة الناس: أم تنتظر خبرًا عن ابنها، وطفل يحاول استعادة شعوره بالأمان، ومهاجر يحمل وطنه في ذاكرته، وشاب يتساءل عن مستقبله في بلد تتنازعه الأزمات. هذه التفاصيل هي التي تمنح الأدب قدرته على تحويل الخبر العابر إلى تجربة إنسانية عميقة، وعلى مقاومة اختزال البشر في أرقام أو شعارات.

وفي هذا السياق، يصبح الأديب العراقي مطالبًا بإعادة النظر في علاقة الذاكرة بالحاضر؛ فاستحضار الماضي لا ينبغي أن يكون استسلامًا له، كما أن الكتابة عن الحاضر لا تعني الانفصال عن جذوره التاريخية. إن فهم الحروب الراهنة في الشرق الأوسط يقتضي إدراك تراكماتها السياسية والاجتماعية، من دون الوقوع في أسر التفسير الواحد أو الأحكام الجاهزة. وهنا تتجلى قيمة الأدب بوصفه مساحة للتفكير الحر، قادرة على مساءلة الروايات الرسمية، وكشف التناقضات، والإنصات إلى الأصوات التي كثيرًا ما تُهمَّش في ضجيج الصراع.

الحروب في الشرق الأوسط ومسؤولية الكلمة

تضع التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط الأدب أمام اختبار حقيقي، خصوصًا في ظل استمرار المأساة الفلسطينية، وتصاعد التوترات الإقليمية، وما تخلّفه الحروب من خسائر بشرية وموجات نزوح ودمار اجتماعي. وفي مثل هذه الظروف، لا يستطيع الكاتب أن يتعامل مع الأحداث باعتبارها مادة بعيدة عن تجربته الإنسانية، حتى إذا لم يكن شاهدًا مباشرًا عليها؛ فالألم الإنساني لا يحتاج إلى جواز سفر كي يعبر الحدود، والكرامة ليست قيمة تخص شعبًا دون آخر.

ومن هنا، فإن انحياز الأدب إلى الإنسان لا يعني التخلي عن الموقف، بل يعني تأسيسه على رفض الظلم واستهداف المدنيين وتبرير العنف، وعلى الدفاع عن الحق في الحياة والحرية والعدالة. فالكتابة التي تنشغل بمصائر الضحايا لا تفقد قيمتها الفنية حين تتخذ موقفًا أخلاقيًا، كما أن الالتزام بالقضايا العادلة لا يعفي الكاتب من مسؤولية الصدق والتعقيد والابتعاد عن الدعاية. والأدب الحقيقي لا يكتفي بتكرار الشعارات، وإنما يحاول فهم الإنسان داخل المأساة، بما يحمله من خوف وتناقض وضعف وقدرة على المقاومة.

وفي العراق، تتضاعف أهمية هذه المسؤولية بسبب ما يربط المجتمع العراقي بتاريخ طويل من المعاناة، وبسبب موقعه الجغرافي والسياسي في منطقة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية. فالأديب العراقي يستطيع أن يقرأ ما يجري حوله من خلال خبرته الخاصة بالحرب والانقسام والتهجير، وأن يقيم جسورًا بين الذاكرة الوطنية والمأساة العربية الأوسع. ولا يعني ذلك أن يجعل كل نص بيانًا سياسيًا مباشرًا، بل أن يمنح السياسة وجهها الإنساني، وأن يكشف أثر القرارات والصراعات في حياة الأفراد الذين لا يملكون غالبًا القدرة على التحكم في مصائرهم.

وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الأدب بوصفه شهادة والأدب بوصفه دعاية. فالشهادة الأدبية تستمد قوتها من الصدق والقدرة على رؤية الإنسان في ضعفه وتناقضاته، أما الدعاية فتختزل الواقع في صورة واحدة، وتطالب القارئ بتلقي موقف محدد من دون مساءلة. لذلك يحتاج الأدب العراقي إلى مساحة واسعة من الحرية تتيح للكاتب أن ينتقد، ويشكك، ويطرح الأسئلة الصعبة، وأن يكتب عن الضحايا بعيدًا عن الانتقائية التي تجعل بعض المآسي جديرة بالحزن، وتحرم مآسي أخرى من الاعتراف.

من توثيق المأساة إلى صناعة الأمل

تتغير أدوات الأديب العراقي بتغير العصر؛ فإلى جانب الكتاب الورقي والمجلة الثقافية، أصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي فضاءات سريعة لنشر النصوص والتفاعل مع الأحداث. وقد أتاحت هذه الوسائل للكاتب الوصول إلى جمهور أوسع، ومشاركة الشهادات والتجارب، والتواصل مع قراء داخل العراق وخارجه. لكنها فرضت، في الوقت نفسه، تحديات تتعلق بسرعة النشر، وتراجع التمهل في القراءة، وانتشار المعلومات غير الدقيقة، وتحول بعض المآسي إلى مواد استهلاكية عابرة سرعان ما يطويها حدث جديد.

ومع ذلك، فإن دور الأدب لا ينتهي عند توثيق المأساة أو فضح أسبابها، بل يمتد إلى استعادة القدرة على تخيل مستقبل مختلف. فالأمل في الكتابة ليس تجاهلًا للواقع أو إنكارًا لحجم الخسائر، وإنما هو رفض اعتبار الخراب قدرًا نهائيًا. حين يكتب الأديب عن مدينة تستعيد حياتها، أو عن إنسان ينهض بعد الفقد، أو عن جيل يطالب بحقه في وطن آمن، فإنه لا يقدم وعدًا سهلًا بالخلاص، بل يفتح نافذة على إمكان التغيير.

من هنا، يقف الأدب العراقي اليوم أمام مسؤولية مزدوجة: أن يكون شاهدًا على تحولات الشرق الأوسط ومآسيه، وأن يحافظ في الوقت نفسه على استقلاله الفني وقدرته على التفكير والنقد. فالكلمة لا توقف الحرب بمفردها، ولا تعيد الموتى إلى الحياة، لكنها تستطيع أن تقاوم النسيان، وأن تحمي الذاكرة من التزييف، وأن تعيد إلى الضحايا أسماءهم ووجوههم وحكاياتهم. وفي زمن تتكاثر فيه أصوات السلاح، تظل مهمة الأديب أن يمنح الإنسان صوتًا لا يضيع وسط الضجيج، وأن يذكّر العالم بأن وراء كل حرب حياةً تستحق أن تُصان، ووراء كل مأساة مستقبلًا لا ينبغي التخلي عن حق الحلم به.

 

 


مشاهدات 32
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/10/17 - 1:52 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 2:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 204 الشهر 31421 الكلي 16616590
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير