نقطة ضوء
ألسنة الهدم والتدليس
محمد صاحب سلطان
مشهد جميل ومؤثر،شاركتني متعته مجموعة من طلبة إحدى المدارس الإبتدائية بمنطقتي، وهم يجتازون بوابتها بضجيج طفولي مبهج و يتراكضون بإتجاهي لمساعدتي على حمل أغراض كانت بيدي، والكل يتنافس لنيل هذا التكليف التطوعي، وتلك لعمري تعد بذرة طيبة لنبت صالح، رعته أيادي كريمة من معلمين وأسرهم، كون الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن صفة التعاون التي تعد أساس إستمرار الوجود الإنساني، لإن سمفونية الحياة لا تصنعها يد واحدة، والمرء يصبح جزءاً من كل،، هكذا هي ثقافة التعاون وخيطها الذي يربط العقول والقلوب، ويحول تشظي الطاقات الفردية، إلى قوة جماعية هائلة قادرة على تذليل الصعاب.. ومن ذلك الموقف الفردي البسيط، عادت بي الذاكرة إلى تجارب ومواقف كثيرة مرت على خاطري، سمعت عنها أو شاركت فيها،جسدت أثر تلك القيمة على حياة الفرد، منها ما جعلني أصحو على زماني في مفازات الطيش العمري المقارب للمراهقة، يوم كان الإندفاع والتهور والمخاطرة غير المحسوبة، هي الصفة الغالبة على تصرف الصبيان، أعادت صقلها نحو الطريق السليم، محاضرات أستاذ اللغة العربية بالمتوسطة، الذي كان يؤكد بإن من ضرورات الحياة الإجتماعية، شيوع التفاهم والتآزر والتعاون بين مكونات المجتمع وأفراده، ليستطيعوا النهوض بإعباء الحياة، وتحقيق غاياتها وأهدافها، ومن ثم ليسعدوا بحياة كريمة وعيشة راضية وهانئة وتعايش تسوده المحبة والوئام،وتلك غاية لا تتحقق إلا بالتفاهم والتعاون الوثيق، وتبادل الثقة بين أفراد أية بيئة مجتمعية سواء أكانت في العائلة أو المدرسة أو المحلة أو المدينة وهكذا صعوداً إلى ما يشمل الوطن والأمة،، لذلك كان رحمه الله يؤكد على صيانة اللسان لكونه أداة التفاهم ومنطلق المعاني والأفكار، وخير من يعبر عما يدور في خلد الناس من أفكار ومفاهيم ونوايا، فعلى صدقه أو كذبه ترتكز سعادة الناس أو شقائهم، فإذا كان صاحبه يتصف بالخداع والتزوير،تحول لسانه إلى معول هدم وتخريب وتناحر وإحتراب بين من يلتقيهم أو يتعامل معهم، بينما الصدق يمثل مطابقة القول للواقع، وهو أشرف الفضائل والمزايا الخلقية التي يجب أن يتحلى بها الفرد، كونه سبب النجاح والنجاة في آن واحد، لذلك مجدته الشرائع السماوية وحرضت عليه.. أما إذا شاع الكذب في المجتمع، تراجعت كل محطات التعاون وأنتكست القيم، فيسود التبرم والسخط في المجتمع ولا أحد يطيق الآخر فتتعرض أدوات وحدته إلى التبعثر والإنهيار..
وعلى هذا الأساس نجد إن الكذب تتكاثر دوائره وقت الأزمات التي تتصف بالإفتعال ولا سيما في تعاملات البيع والشراء، الذي يترتب عليه إرتفاع الأسعار بحجة أو بأخرى كما يحدث اليوم، فالتاجر يكذب والبائع يكذب، مستغلين رياح الفوضى الخارجية المنعكسة على قرار الداخل المتخبط، كون الكذب يمثل أبشع العيوب والجرائم ومصدر الآثام والشرور، وداعية الفضيحة التي لا تستر والسقوط المريع الذي ليس له شفيع سواء أكانت دواعيه، (العادة )بدافع الجهل أو التأثر بالمحيط المتخلف أو لضعف الوازع الديني، وكذلك الطمع تحقيقاً لإطماع الكذاب وإشباعاً لنهمه، فيمارس الكذب بصورة اليمين الكاذب وشهادة الزور وهلم جرا من الآثام والفسوق،، أما نحن المتضررون من أولئك فلا حيلة لنا سوى الدعاء ، اللهم جنبنا أفاعيل ألسنة الهدم والتخريب والتدليس، والسلام!.