دروشة السياسة في العراق.. حين تتحول السياسة من إدارة المصالح إلى صناعة المقدّسات
محمد كاظم الفاضلي
في العراق، لم تعد السياسة مجرد صراع على السلطة أو تنافس على البرامج والمشروعات، بل أخذت في أحيان كثيرة شكلًا أقرب إلى «الدروشة». والدروشة هنا ليست وصفًا للتدين، ولا نقدًا للإيمان، وإنما توصيف لحالة سياسية يتراجع فيها العقل النقدي لمصلحة الانفعال، وتتحول فيها الشخصيات السياسية إلى رموز فوق المساءلة، وتصبح المواقف السياسية أقرب إلى «العقائد» التي لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو السؤال.
في السياسة الطبيعية، لا يوجد سياسي مقدس، ولا حزب معصوم، ولا قرار لا يحتمل النقاش. السياسي موظف عام، والسلطة مسؤولية مؤقتة، والبرنامج السياسي قابل للنقد، والنتائج هي المعيار. أما حين تبدأ السياسة بالعمل وفق منطق الولاء المطلق، فإن السؤال عن الأداء يصبح إساءة، والنقد يصبح خيانة، والمطالبة بالمحاسبة تصبح استهدافًا.
وهنا تبدأ «الدروشة السياسية».
تظهر هذه الحالة حين يصبح السياسي أهم من الدولة، والحزب أهم من المؤسسة، والزعيم أهم من البرنامج، والشعار أهم من النتيجة. عندها يمكن أن يفشل المسؤول في إدارة ملف كامل، لكن أنصاره يجدون عشرات التبريرات لفشله. ويمكن أن تتكرر الأخطاء نفسها، لكن الجمهور لا يرى فيها سببًا لتغيير موقفه، لأن العلاقة لم تعد علاقة سياسية تقوم على التقييم، وإنما علاقة عاطفية تقوم على الإيمان بالشخص.
والأخطر أن بعض الخطاب السياسي العراقي نجح في تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع أخلاقي. أنت لا تختلف مع سياسي أو حزب، بل تصبح وكأنك تختلف مع «الجماعة» التي يمثلها، وربما مع تاريخها ورمزيتها وذاكرتها. ولذلك يتحول النقاش من: ماذا فعل هذا السياسي؟ إلى: من أنت حتى تنتقده؟
وهذا السؤال الأخير هو أحد أعراض المرض السياسي.
فالدولة الحديثة لا تسأل المواطن عن هويته قبل أن تسمح له بالنقد، ولا تمنح السياسي حصانة أخلاقية لأنه ينتمي إلى جهة أو جماعة أو تاريخ معين. معيارها الأساسي هو الأداء: ماذا وعد؟ ماذا أنجز؟ ماذا أخفق؟ كم أنفق؟ وما الذي تغير في حياة الناس؟
لكن «دروشة السياسة» تقلب هذه المعايير رأسًا على عقب. يصبح السياسي ناجحًا لأنه محبوب، لا لأنه أنجز. ويصبح الخطاب قويًا لأنه مرتفع الصوت، لا لأنه مقنع. ويصبح الموقف صحيحًا لأن صاحبه يمتلك جمهورًا، لا لأن لديه حجة.
ولوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي دور كبير في تكريس هذه الظاهرة. فبعض المنصات لا تقدم السياسة بوصفها معرفة تحتاج إلى تفكير، وإنما بوصفها معركة يومية تحتاج إلى جمهور ومشجعين وخصوم. وهكذا يتحول السياسي إلى «نجم»، والمتابع إلى «مشجع»، والإعلامي أحيانًا إلى جزء من المدرجات.
في هذه البيئة، تنتشر المقاطع القصيرة، والعبارات الحماسية، والاتهامات، والتخوين، والصور الرمزية، أكثر مما تنتشر الأرقام والوثائق والتحليلات. يصبح الانفعال مادة إعلامية أسهل من المعلومة، ويصبح الغضب أكثر قابلية للانتشار من التفكير.
ولذلك فإن المشكلة ليست فقط في السياسي الذي يمارس «الدروشة»، وإنما أيضًا في الجمهور الذي يسمح بتحويل السياسة إلى طقس من الطاعة العاطفية.
الجمهور الذي لا يسأل، يساعد السلطة على ألا تجيب.
والجمهور الذي لا يحاسب، يمنح السياسي فرصة لأن يكرر الخطأ.
والجمهور الذي يخلط بين الرمز والإنسان، قد يجد نفسه مدافعًا عن شخص حتى عندما تتعارض أفعاله مع مصالحه.
لقد دفع العراق ثمنًا كبيرًا من تحويل السياسة إلى هويات مغلقة. فالسياسة حين تفقد عقلانيتها لا تنتج اختلافًا صحيًا، وإنما تنتج انقسامًا اجتماعيًا. وحين يصبح السياسي قادرًا على إقناع جمهوره بأن كل نقد له هو مؤامرة عليه، فإن الديمقراطية تتحول تدريجيًا إلى مجرد انتخابات، بينما تختفي روحها الأساسية: المساءلة.
ليست المشكلة أن يكون للناس قادة يحبونهم أو رموز يثقون بها. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحب إلى إعفاء من النقد، والثقة إلى طاعة، والانتماء إلى حصانة.
العراق بحاجة إلى سياسة أقل تقديسًا وأكثر عقلانية؛ إلى سياسي يمكن أن يُنتقد من دون أن يشعر أن وجوده مهدد، وإلى مواطن يستطيع أن يغير موقفه عندما يكتشف أن من وثق به أخطأ، وإلى إعلام يسأل السياسي: «ماذا فعلت؟» بدل أن يسأله فقط: «من خصمك؟».
فالسياسة ليست مقامًا للقديسين، والسلطة ليست محرابًا، والزعيم ليس نبيًا.
السياسة في جوهرها إدارة لشؤون الناس، والسياسي الذي يطلب من الناس أن يؤمنوا به بدل أن يحاسبوه، لا يبحث عن جمهور سياسي، بل عن مريدين.
وحين يصبح المريدون أكثر من المواطنين، تصبح الديمقراطية نفسها مهددة.
لذلك ربما يكون العراق بحاجة اليوم إلى ثورة هادئة في الثقافة السياسية: أن نتعلم كيف نختلف دون كراهية، وكيف نؤيد دون عبادة، وكيف ننتقد دون تخوين، وكيف نحب وطننا أكثر من الأشخاص الذين يحكمونه.
فالدولة لا تُبنى بالدروشة.
الدولة تُبنى بالعقل، والمؤسسات، والقانون، والمساءلة.