الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قرارٌ ظالم لتجويع الفقراء

← بواسطة azzaman

قرارٌ ظالم لتجويع الفقراء

عبد المنعم حمندي

 

عندما تجلس الحكومة خلف طاولاتها الصقيلة لتعلن - بدمٍ بارد - أن سعر الدولار أصبح رسمياً 152 ألف دينار لكل مائة دولار، فإنها لا تخفض قيمة العملة فحسب، بل تخفض قيمة عيش ملايين العراقيين الذين لا يملكون من أمر أنفسهم سوى دينارٍ يتآكل كل صباح.

يقال لك إن القرار جاء لـ»إدارة الموازنة العامة» و»تضييق الفجوة مع السوق الموازية».. كلماتٌ معسولة تُصاغ في أروقة البنك المركزي، لكن ترجمتها الحقيقية في أسواق بغداد والمدن والمحافظات ،  وفي أزقة البصرة والموصل  وبيوت الفقراء تعني شيئاً واحداً: سرقة هادئة لما تبقى في جيوب المستضعفين.

لقد صدم هذا القرار العراقيين، وشاهدت اليوم غلاءً فاحشاً  ينهك الموائد وشللاً في الأسواق.

العراق بلدٌ لا ينتج حتى إبرة الخياطة، ويستورد قوته ودوائه بالدولار. وحين يرتفع السعر الرسمي، لا ينتظر التاجر دراسات الجدوى؛ بل يرفع سعر علبة الدواء و الزيت ورغيف الخبز قبل أن يجف حبر القرار.

حاسبات حكومية

إن هذا التعديل الهيكلي ليس مجرد رقم في الحاسبات الحكومية، بل هو زلزالٌ يصيب السوق العراقية في عصبها:

في الوقت نفسه، الرواتب لم تتغير أصلاً، أصبحت اليوم تشتري نصف ما كانت تشتري قبل القرار.

اشتعال البورصات: وهمٌ من يظن أن رفع السعر الرسمي سيلجم بورصات «الكفاح» و»الحارثية»؛ فالمضاربون يأخذون السعر الجديد كنقطة انطلاق قفزاً نحو الأعلى، ليظل المواطن مطحوناً بين فكي السعرين.

: حركات البيع والشراء تتجمد، والتاجر الصغير يغلق دكانه خوفاً من الخسارة، والعامل اليومي يعود إلى بيته بخفي حنين لأن قطاعات البناء والخدمات أصابها الشلل.

هل فكرت الحكومة: أين يذهب صاحب أجر اليومية؟ وكيف يتدبر أمروه من يعتمد على راتب الحماية الاجتماعية الذي بات لا يكفي لتغطية فاتورة مولدة أو علاج طفل؟

إن خطورة هذا القرار تنبع من كونه يضرب الطبقات الهشة في أساسيات وجودها!

رقابة غائبة

ا: السلع الحرة تضاعفت أسعارها، والأدوية أصبحت طموحاً بعيد المنال، والحديث عن «الرقابة على الأسواق» لم يعد يقنع طفلاً، فالرقابة الغائبة لن تستيقظ فجأة بقوة القرار.

هل جاء هذا القرار لمعاقبة الفقراء؟

يُطلب من الفقير أن يتحمل فاتورة سوء الإدارة، وتراجع الإنتاج المحلي، والاعتماد المطلق على الريع النفطي، وكأن الطبقات المفقرة هي من أدارت الملف الاقتصادي طوال العقود الماضية!

تخرج علينا البيانات الرسمية بوعود عن «توسيع البطاقة التموينية» و»زيادة شريحة شبكة الحماية الاجتماعية».. ولكن، هل تعالج هذه الإبر المسكنة طعنة نافذة في قلب الاقتصاد؟ إن زيادة المساعدات مع تدمير القوة الشرائية للعملة ليست سوى دوران في حلقة مفرغة ، تنفق الدولة باليمين ما سلبته باليسار.

لقد كُتب هذا القرار بمداد الأرقام الصماء، لكن أثره يُكتب اليوم بعرق العمال والكسبة ، وحسرة الأمهات في أسواق المسحوقين والتفتيش عن أرخص أنواع الطعام. إن اقتصاداً يستمد قوته من اقتطاع لقمة الفقير هو اقتصاد يحفر مجراه نحو جدار الغضب، لأن الصبر إن طال على الجوع، لن يطول على شعور الناس بأنهم يدفعون ثمن أخطاء لم يرتكبوها.


مشاهدات 53
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/10/10 - 12:20 AM
آخر تحديث 2026/10/10 - 1:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 113 الشهر 16443 الكلي 16601612
الوقت الآن
السبت 2026/10/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير