حين يصبح صوت الفقراء مؤامرة
جبار فريح شريده
في المجتمعات التي تعاني من الفساد وسوء الإدارة، لا يكون الفقر مجرد نقص في المال، بل يتحول إلى اختبار حقيقي لعدالة الدولة وصدق مؤسساتها. وفي العراق، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والخدمية والسياسية، أصبح صوت المواطن الفقير والمهمّش أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. لكن المفارقة المؤلمة أن بعض المسؤولين، بدلًا من الإصغاء إلى هذا الصوت ومعالجة أسبابه، يحاولون أحيانًا تصويره على أنه مؤامرة أو تحريض أو استهداف سياسي.
المسؤول الفاسد يرى في صوت الفقراء مؤامرة، لأنه يسمع فيه سؤالًا لا يريد الإجابة عنه: أين ذهبت حقوقنا؟
حين يخرج المواطن ليطالب بفرصة عمل، أو بخدمة كهرباء مستقرة، أو بماء صالح للشرب، أو بمستشفى يحفظ كرامته، فهو لا يعلن الحرب على الدولة. وحين يحتج شاب عاطل عن العمل على انسداد أبواب المستقبل أمامه، فليس بالضرورة أن يكون مدفوعًا من جهة ما. وحين تعترض عائلة فقيرة على سوء الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، فهي لا تبحث عن الفوضى، بل تبحث عن حياة طبيعية تشبه حياة بقية البشر.
المشكلة تبدأ عندما يصبح المسؤول أسيرًا لمنطق الدفاع عن نفسه بدل الدفاع عن المواطن. عندها تتحول الشكوى إلى «مؤامرة»، والاحتجاج إلى «فوضى»، والنقد إلى «استهداف»، بينما يبقى السؤال الأساسي بلا جواب: لماذا يعاني المواطن أصلًا؟
العراق بلد غني بالموارد والإمكانات، لكن ثروة البلاد وحدها لا تكفي لصناعة العدالة. فالعدالة تحتاج إلى مؤسسات نزيهة، وإدارة كفوءة، ورقابة حقيقية، ومحاسبة لا تستثني أصحاب النفوذ. وما يؤلم المواطن العراقي ليس الفقر وحده، وإنما شعوره أحيانًا بأن هناك من يطلب منه الصمت بدل أن يسأله عن أسباب معاناته.
لقد تعب العراقي من الخطابات التي تضع اللوم دائمًا على «الآخر»: المؤامرة، الخارج، الظروف، الخصوم، أو المواطن نفسه. فالدولة القوية ليست تلك التي تخيف المواطن من الكلام، بل تلك التي لا تخاف من الأسئلة. والمسؤول الواثق من نزاهته لا يرى في النقد تهديدًا، بل فرصة لاكتشاف الخلل وتصحيحه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع هو أن يفقد الفقير ثقته بأن صوته مسموع. فعندما يشعر الإنسان بأن مطالبه المشروعة ستُقابل بالتخوين أو الاتهام، فإنه لا يفقد ثقته بمسؤول واحد فحسب، بل يبدأ بفقدان ثقته بالمؤسسات كلها.لذلك، فإن مواجهة الفساد في العراق لا تكون فقط بكشف الملفات وملاحقة المتورطين، وإنما أيضًا بتغيير الثقافة السياسية التي تجعل المواطن متهمًا عندما يطالب بحقه. فالفقر ليس جريمة، والاحتجاج السلمي ليس مؤامرة، والنقد ليس خيانة.
صوت الفقراء ليس مؤامرة؛ المؤامرة الحقيقية هي أن يُطلب من الفقير أن يصمت، بينما تُهدر ثروات بلده أمام عينيه.
العراق لا يحتاج إلى مسؤول يخشى صوت المواطن، بل إلى مسؤول يخشى أن يظلم المواطن. ولا يحتاج الفقير إلى من يتهمه، بل إلى دولة تمنحه حقه وكرامته وفرصة حقيقية لبناء مستقبله.سيبقى السؤال الأهم أمام كل مسؤول: عندما يتحدث الفقير، هل تسمع في صوته تهديدًا لسلطتك، أم تسمع نداءً لإنقاذ وطنك؟