أخر الرجال.. المتفائلين
زيد شحاثة
من المنطقي إعتبار الحديث عن سياسي أو زعيم عراقي، نوعا من التسويق أو التمجيد الشخصي له وربما لحزبه السياسي، ومع الأخذ بنظر الإعتبار حملة التسقيط الممنهج لكل العملية السياسية، وما رافقها من تخوين وتسقيط كامل لكل الزعماء والساسة، في حملة شاركو بها ضد بعضهم، تحت شعار " كلهم حرامية"..
بعيدا عن رأينا في هذه الحملات والشعارات حقيقية كانت أو تسقيطية، فهذا لا يمنع من فهم مواقف وتصرفات وقرارات القادة ودوافعها، لتكون خياراتنا واضحة في دعم أحدهم ورفض غيره، لا بشكل شخصي وإنما كبرنامج يقدمه هذا الحزب أو ذاك لقيادة البلد وبناءه، ومن يفكر بطريقة غير ذلك فهو لا يفهم آليات الحكم، فالديمقراطية لعبة أحزاب وساسة ولا خيار أخر فيها غير ذلك..
الواقع أثبت خلال السنوات السابقة، أن غالبية الناس لا يملكون القدرة على تحليل البرامج السياسية، أو قياس نسب النجاح والفشل لدى الأحزاب، بل وحتى فهم أهمية أن يكون للأحزاب مشروع وبرنامج سياسي يخص البلد.. وهي قضية مرتبطة بمستوى الوعي السياسي، والمحاولات المستمرة " لتجهيل" المجتمع، ودفعه بعيدا عن التفاعل مع العملية السياسية، لأهداف وأسباب تأكد أنها "خبيثة"..
مما سبق يتبين أن رأي وتفاعل قطاعات مهمة من المجتمع، مع المواقف أو الساسة والأحزاب، يعتمد على العاطفة والتفاعل النفسي والتأثيرات الشخصية.. وهو جانب مهم رغم انه ليس دقيقا دائما، لكن يمكن أن يستثمر من خلال تواصل مباشر من الناشطين والزعماء والقادة، مع المجتمع وأفراده والحديث مباشرة معهم حول مختلف القضايا.. وطبعا بتوقيتات بعيدة عن مواعيد " الصيد الإنتخابي"..
ما يؤسف له حقا أن معظم زعماء وقادة عمليتنا السياسية، لا يراهم الشارع إلا في حملات ومهرجانات إنتخابية بحتة، وربما ينفرد عن ذلك عمار الحكيم، الذي تبنى منهجا تواصل مجتمعي قوي ومستمر ومتصاعد، حيث نقلت مواقع إحصائية أنه حقق معدلا وصل إلى (15) زيارة سنويا، وهي نسب لم يصل لعشرها أي زعيم أو مسؤول حكومي حتى!
الأكثر لفتا للنظر في تلك الزيارات أن (90%) منها كانت بعيدة عن المواسم الانتخابية ، بما يقرب من (9-12) شهر، وهذا يبعد عنها الصبغة الانتخابية.. ورغم أن الحكيم وتياره السياسي، هم أكثر الجهات تعرضا للهجوم والتسقيط، لكن الواقع المجتمعي والميداني، يثبت أنه الأكثر مقبولية وقدرة على التواصل، في مفارقة غريبة يبدو أنها لا تنعكس كثيرا على الأرقام الانتخابية!
الرجل خلال كل زياراته كان يتواصل ويدافع عن الدولة ومؤسساتها، ويحذر من مشاكل لم تحصل بعد، ويستقتل في التسويق للبرنامج الحكومي، رغم أنه لم أحيانا لا يكون جزءا منها.. ورغم كم الإحباط والتلكؤ والفساد الذي يطفوا، لكن هذا "المتفائل" يرى في تلك المشاكل فرصة بتحويلها لتحدي ينجح فيه البلد ويتجاوزه، في نظرة وإستشراف يبدوا بعيدا عن الواقع ظاهريا ، ليثبت لاحقا أن كثيرا مما توقعه وقاله هو الواقع وبكل دقة.. فما الذي يراه ولا نراه!
المجتمع العراقي وفي وسط كل الوضع السيء المقلق الذي نعيشه، هو بأمس الحاجة لجرعة من التشخيص الواقعي المتفائل.. وبالرغم من كثر الملاحظات والإنتقادات للعملية السياسية بأحزابها وقادتها، لكننا بحاجة شديدة لتواصل مباشر مع من يقودون البلد، من زعماء وساسة مؤثرين، ليفهم الناس منهم ويسمعوا من الناس، ويقدروا حجم التحدي، ويحصلوا منهم على جرعة أمل تعينهم ليصبروا على ما يروه من صعوبات.. كما يفعل هذا الرجل " المتفائل" عسى أن تتحق تنبؤاته وإستشرافاته..