عودة أخرى للملكية
فيصل عبدالحسن
من لطيف القول أن العراقيين كانوا في العائلات الكبيرة، والتي فيها أولاد وبنات كبار، تجدهم في العهد الملكي، كل واحد منهم مؤمن بفكر أحد الأحزاب العراقية، فواحد منهم يتبنى الأفكار الشيوعية، ويقدس ماركس وأنجلز وآخر قومي يمجد جمال عبد الناصر، وفكر ثورته القومية، وآخر ليبرالي يمجد أفكار جون لوك مؤسس الفكر الليبرالي في بريطانيا، والصغير فيهم الذي نمت لحيته مبكرا، وقصر ثوبه متأثرا بالأخوان المسلمين، وفي هذا المحيط المؤدلج كانت تدور النقاشات بين الأشقاء حول الأصلح، وكل واحد منهم يريد جذب الشقيق أو الشقيقة إلى صفه، وكل تلك المناظرات تدور حول صينية الطعام، وهم جلوس بين أم في أغلب الأحيان هي أمية لا تفك الخط وأب تعلم في الكُتَاب أو المدرسة الأبتدائية تهجئة الحروف، ولكن لم يقل يوما أحد الأشقاء للأخر (أصمت فللجداران آذان) ولم يقل الأب أو الأم ابتعدوا عن السياسة ولا شأن لنا بما يحدث في العراق، لم تقَل هذه الجمل الأنانية إلا في عهود الجمهوريات الظالمة!!
حدثنا سنة 2002 أحد أصحاب المقامات العالية التي كانت تدير منظمة (الشبيبة) التابعة للحزب الشيوعي في بغداد، أثناء فترة النظام الملكي عن تأريخه الحزبي في وجبة طعام فاخرة في فيلته الواسعة في الدار البيضاء تسمى بالمغرب تلك الأكلة (الكسكسو) وهو خليط من سبع خضروات تُطهى مع اللحم والدجاج، وقد برعت زوجته الجزائريه وخادماتها في عملها، وقد عشقنا تلك الأكلة منذ ذلك اليوم، فلم يمرُّ يوم جمعة إلا وقصدت مع عائلتي مطعما فاخرا يقدمها على أصولها الأمازيغية، مرة بالسميد وآخرى بالشعير، ولن أطيل عليكم، وقد غدا صاحبنا الشيوعي القديم رجل أعمال بارع جمع ثروة طائلة في شمال المغرب العربي، وامتدت أعماله بين الجزائر العاصمة والدار البيضاء في المغرب وبغداد، وشاءت القسمة الطيبة أن أعمل معه مديراً مفوضا لفرعه التجاري في الدار البيضاء لسنوات، حدثنا عن تنظيمه رحلة إلى منطقة (سلمان باك) لشباب الشبيبة سنة 1954 يقول وقد أشرفت بنفسي على تأجير السيارات التي تنقل شباب وشابات الشبيبة، وكان وقتها الحزب الشيوعي محظورا في عهد الملكية، يقول وكنت معروفا وقتها بميولي الشيوعية في المنطقة التي أسكنها، وتجمعت قرب دارنا أكثر من مئة باص لنقل الشباب، وبدأ الرفاق والرفيقات بالتوافد إلى منطقتنا والصعود إلى السيارات، وهم يرددون شعار (وطن حر وشعب سعيد) وسط دهشة الجيران من ضخامة عدد المشاركين في الرحلة.
وهنا صفق مضيفنا بكفيه متأسفاً بحرارة عما فعله، متوقفا عن إتمام حديثه، وقال (والله لا يفعلها عاقل أبدا) حزب محظور، ومائة سارة محملة بالشباب والبنات، وكلهم يصرخون (تحيا الشبيبة) قرب دارنا، وأنا لولب الرحلة كلها!
وضحك مقهقا (كنا مجانين) قلت في نفسي في الحقيقة لم يكونوا كما ذكر شيوعينا القديم، ولكن الملكية في العراق علمت الناس طوال عقود من حكمها العراق بطريقة عملها القانوني، فاحترمت حقوق المواطن وفق التقاليد الديمقراطية الأصيلة، ووضعت على عاتقها أن يكون العراقي (حراً) ولا يخاف من السلطة، مادام أنه لا يخترق القانون ولم يوجد وقتها قانون يمنع الرحلات السياحية للعراقيين في أرجاء وطنهم، مهما كان فكرهم ومعتقدهم، وأخيرا اعترف مضيفنا على مضض لقد كنا مخطئين وكان (نوري السعيد) أفضل سياسي قدم للعراق الكثير وفق مبدأ (خذ وطالب) لنيل الاستقلال التام من الأنكليز وكان هذا مسك الختام ولنا عودة أخرى مع الملكية في العراق!