الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كردستان.. مفترق طرق ما بعد الانسحاب

← بواسطة azzaman

كردستان.. مفترق طرق ما بعد الانسحاب

خالد الدبوني

 

الإنسحاب ليس حدثاً تقنياً (نقل قواعد، سحب جنود، إغلاق مقر قيادة)، بل لحظة إعادة ترتيب إقليمية قد تُعيد إنتاج ديناميكيات 2011–2014 إذا لم تُعالَج فجواته بسرعة.

من زاوية واشنطن، الانسحاب يُغلق ملف “المهمة القتالية ضد داعش” وينتقل بالعلاقة إلى شراكة ثنائية في التدريب والاستخبارات، مع بقاء قواعد في سوريا والأردن والخليج تتيح “مكافحة إرهاب من خلف الأفق”.

أما من زاوية بغداد، فالانسحاب تأكيد للسيادة الأمنية الكاملة، وإزالة أي مبرّر لوجود فصائل خارج سيطرة الدولة، وفق خطاب رسمي يربط الخروج بـ“اختبار السيادة”.

إرتداد فعل  الإنسحاب على  المناطق السنية (الأنبار، نينوى، صلاح الدين، ديالى) ليس أمنيًا فقط، بل سياسي–إقتصادي في العمق.

صحيح أن نشاط داعش انخفض بشكل حاد منذ 2021، لكن الخلايا لا تزال نشطة في جيوب محددة: الأنبار (محور عكاشات–الرطبة)، صحراء نينوى الغربية، كركوك (جبال حمرين)، وديالى.

ومع غياب الغطاء الجوي والاستخباراتي الأميركي المباشر ستتقلّص قدرة الجيش العراقي على كشف الخلايا النائمة في الأحزمة الريفية والجبلية، خصوصًا على الحدود مع سوريا. لكن الخطر الأكبر ليس فقط “داعش”، بل بيئة أمنية–سياسية تنتج الفراغ الذي تستغله الخلايا.

الفصائل المسلحة المدعومة إيرانيًا (كتائب حزب الله، حركة النجباء، عصائب أهل الحق، كتائب سيد الشهداء) تبنت موقفًا واضحًا: الانسحاب الأميركي “شرط لازم” لكنه لا يكفي للتخلّي عن السلاح وربطت أي حديث عن “تنظيم السلاح” بخروج كامل للقوات الأميركية والتركية، ورفضت تسليم أسلحتها قبل ذلك، بل قدّمت شروطًا تعجيزية تشمل إنهاء النفوذ السياسي والاقتصادي الأميركي وحلّ البيشمركة.!!

هذه الفصائل لم تعد مجرّد أذرع عسكرية؛ فهي متجذّرة في النسيج السياسي والاقتصادي العراقي: تملك شبكات أعمال، وتسيطر على عقود حكومية، وجمارك وتهريب وقود، وضرائب غير قانونية، بعائدات تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا وفي المحافظات السنية، تستخدم ذريعة “مكافحة داعش” لتبرير وجودها، لكنها في الواقع تتحكم في بنية تحتية اقتصادية وطرق إمداد، وتحوّل “الأمن” إلى نفوذ اقتصادي محلي.

الإدعاء بأن “الفصائل تحمي الحدود أفضل من الجيش” يخلط بين المشاركة في المهمة وبين إمتلاك القدرة المؤسسية المستدامة: الجيش يملك سلسلة قيادة موحدة، وتمويلًا نظاميًا، وغطاءً جويًا واستخباراتيًا، بينما الفصائل تظل خاضعة لتوازنات سياسية وقد تتحول من “حامٍ” إلى “مصدر تهديد” إذا خرجت عن السيطرة.

اما بالنسبة لكوردستان، فالانسحاب يعني فقدان “مظلة دفاعية” كانت تكبّل إيران وفصائلها: مئات المسيرات والصواريخ استُخدمت ضد أهداف في أربيل والسليمانية، بدعوى استهداف قواعد أميركية أو معارضة كردية إيرانية. مع خروج منظومات الدفاع الجوي الأميركية، تصبح المدن الكردية والمطارات أكثر عرضة، خاصة أن الإقليم غير مسموح له بشراء منظومات دفاع جوي متقدمة بشكل مستقل.

الانسحاب الأميركي لا يُضعف فقط الغطاء الأمني للمناطق السنية، بل يعمّق هشاشتها الاقتصادية عبر توسيع سيطرة الفصائل على عقود وأراضي ومعابر حدودية، وإعاقة الاستثمار الأجنبي في قطاعات طاقة وبنى تحتية حيوية، وتكريس تهميش اقتصادي للسكان السنة عبر إقصاء من سوق العمل واقتصاد الإتاوات.

مشاريع طاقة أميركية كبرى (مثل حقل عكاز للغاز في الأنبار) تواجه تأخيرات ومخاطر بسبب التوترات مع إيران، وشركات مثل Schlumberger أوقفت عملياتها في مارس 2026. ConocoPhillips، التي وقّعت للاستحواذ على حصة 42% في وحدة BP العاملة في حقول كركوك، تواجه تصنيف “مرتفع المخاطر الجيوسياسي”.

بدون إصلاح  سياسي حقيقي قد يتحوّل الانسحاب من “نهاية وجود عسكري” إلى “بداية هيمنة اقتصادية فصائلية” على المحافظات السنية.

 دروس 2011: هل تتكرر القصة؟

العلاقة الأمنية المستقبلية مع بغداد، وفق بيانات عراقية رسمية، ستشمل تنسيقًا في الاستخبارات وتبادل المعلومات وبرامج تسليح، لكن بدون قواعد أجنبية على الأرض. لكن التقارير تحذّر من أن خروج منظومات الدفاع الجوي والاستخبارات من العراق يخلق فجوة إقليمية أوسع، قد تستغلها إيران وفصائلها، وقد تُضعف الردع ضد خلايا داعش في سوريا والعراق.

 

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1. سيادة اختبارية ناجحة:

إذا نجحت بغداد في فرض سيطرة فعلية على الفصائل، وربطت الانسحاب بآلية مراقبة مشتركة (بغداد–تحالف) لتقييم جاهزية القوات العراقية في المحافظات السنية، مع استمرار دعم جوي واستخباراتي محدود عند الحاجة، قد يتحوّل الانسحاب إلى عامل ايجابي  لاستقرار مؤسسي أوسع.

2. فراغ نسبي وتصاعد محدود: إذا ظلت الفصائل خارج السيطرة الفعالة، وغابت بدائل دفاعية حقيقية لكوردستان، قد يتصاعد التوتر الإقليمي (إيران–إسرائيل/أميركا عبر وكلاء) على حساب أمن كوردستان والمناطق السنية، مع عودة ديناميكيات 2014 لكن بصيغة أخف.

3. حرب بالوكالة الإقليمية

: في أسوأ السيناريوهات، تتحول كوردستان والمناطق المتنازع عليها إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين إيران وتركيا، مع فصائل عراقية كطرف ثالث، ما يغذّي التطرف السني ويجعل أي انتعاش تنظيمي أكثر احتمالًا.

في نهاية هذا الامر ، يبقى السؤال الذي لا مفرّ منه، وهو السؤال الذي يجب أن يُطرح صراحة على الحكومة العراقية: لماذا على المناطق السنية تحمّل كل هذه المخاطر والتهديدات وحدها؟الانسحاب الأميركي يُوصف بأنه “سيادة عراقية”، لكن الواقع يُظهر أن المحافظات السنية هي الأكثر تضررًا: غياب غطاء جوي واستخباراتي، هيمنة فصائلية ، استثمارات طاقة معطّلة (مثل عكاز)، وآلاف المهجّرين لم يعودوا بعد 12 عامًا.

إذا كانت “السيادة” تعني حماية كل العراقيين بالتساوي، فلماذا تُترك المناطق السنية دون غطاء جوي واستخباراتي، بينما فصائل ترفض تسليم سلاحها، وتفرض شروطًا تعجيزية، وتسيطر على مناطق سنيّة (مثل جرف النصر) كـ”مناطق عسكرية” مغلقة؟

الجواب الرسمي قد يتحدث عن “استقرار عام” و”تحديات إقليمية”، لكن السؤال يبقى: **ما الضمانات الحقيقية بأن “السيادة” لن تتحول إلى هيمنة فصائلية دائمة على المحافظات السنية، وأن “الاستثمار” لن يبقى حبرًا على ورق بينما تُستغل ثروات المنطقة من قبل جهات غير محلية؟

بدون إجابات شجاعة وإجراءات ملموسة (حزمة إنعاش موجهة للسنة، تسريع عودة النازحين الكشف عن مصير المفقودين ومحاسبة الجناة)، قد يتحوّل الانسحاب من “نهاية وجود عسكري” إلى “بداية فصل صعب” على المناطق السنية، ليس أمنيًا فقط، بل وجوديًا.


مشاهدات 32
الكاتب خالد الدبوني
أضيف 2026/10/06 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/10/07 - 12:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 38 الشهر 10510 الكلي 16595679
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير