الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رحلة الدواء المدعوم.. لماذا لا يصل علاج الأمراض المزمنة إلى المريض ؟

← بواسطة azzaman

رحلة الدواء المدعوم.. لماذا لا يصل علاج الأمراض المزمنة إلى المريض ؟

فريدة الحسني

 

لا تنتهي معاناة مريض السكري، أو الضغط، أو القلب، أو السرطان عند باب العيادة، بل قد تبدأ بعد أن يخرج منها حاملا وصفته الطبية، فبين الدواء الذي يفترض أن توفره المؤسسة الصحية والدواء الذي يحتاجه المريض فعلا تمتد رحلة من الانتظار والسؤال والبحث والإنفاق

في بلد يواجه فيه كثير من الناس أعباء معيشية متزايدة لا ينبغي أن يتحول علاج الأمراض المزمنة إلى هاجس شهري يلاحق العائلة فهذه الأمراض لا تنتظر تحسن الظروف ولا يمكن تأجيل علاجها من دون ثمن صحي باهظ، حبة الضغط، وجرعة الأنسولين، ودواء القلب، ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل هي جزء من حق الإنسان في حياة آمنة وكريمة

لكن الواقع الذي يرويه كثير من المرضى مختلف، يراجع المريض المركز الصحي حاملا دفتره الصحي آملا أن يستلم دواءه المعتاد فيجد بعض الأدوية ناقصة أو غير متوفرة أو يتسلم علاجا من شركة مصنعة تختلف عن الشركة التي اعتاد عليها، وقد يبدو الأمر بسيطا لمن يعرف أسماء المواد الفعالة وتركيزاتها لكنه ليس كذلك للمريض الكبير في السن أو لمن لا يستطيع قراءة التفاصيل الدوائية وفهمها

فالعلبة تتغير: الاسم التجاري، اللون، شكل الحبة، وبلد المنشأ. ومع كل تغيير يتسلل القلق إلى المريض: هل هذا هو دوائي حقا؟ هل الجرعة نفسها؟ وهل سيحافظ على استقرار السكر أو الضغط كما كان الدواء السابق؟

إن تبديل الشركة المصنعة لا يعني بالضرورة أن العلاج غير مناسب إذا كانت المادة الفعالة والتركيز والشكل الدوائي متماثلة وكان الدواء مسجلا ومراقبا، لكن المشكلة الحقيقية تظهر حين يسلم الدواء من دون شرح واضح، فالمريض لا يحتاج إلى علبة دواء فحسب، بل يحتاج إلى من يقول له بلغة بسيطة: هذا بديل لدوائك السابق، وهذه جرعته، وهذه طريقة استعماله، ولا تغير علاجك أو توقفه قبل سؤال الطبيب أو الصيدلي.

عبارة دارجة

وفي الصيدليات تبدأ حيرة أخرى، يسمع المريض أحيانا العبارة الدارجة: «هذا الدواء أصلي، وهذا غير أصلي»، ثم يعرض عليه فرق السعر بينهما وقد لا تكون هذه العبارة شرحا طبيا كافيا لكنها تزرع خوفا فوريا في نفس المريض من الخيار الأقل كلفة، وبين ثقته بصحته وقدرته المحدودة على الدفع، يقف مريض الأمراض المزمنة أمام قرار قاس: هل يشتري الدواء الأغلى كي يطمئن، أم يختار البديل وهو خائف ومتردد؟

هذه الحيرة لا تنبع دائما من ضعف الدواء البديل، بل من ضعف التوعية وغياب التواصل المهني الواضح. فمن حق المريض أن يعرف اسم المادة الفعالة، والتركيز، والبدائل المسجلة المتاحة، وأن يسأل عن سبب اختلاف السعر بين منتج وآخر. أما أن يترك وحيدا أمام العلب والأسعار والمصطلحات الطبية، فإن العلاج يتحول من حق صحي إلى مخاطرة نفسية ومالية

والأشد إيلاما أن ضيق الحال قد يدفع بعض المرضى إلى تأجيل شراء الدواء أو تقليل الجرعة من تلقاء أنفسهم أو التوقف عنه أياما حتى تتوفر النقود، وهذه ليست قرارات عابرة فقد تفتح الباب أمام مضاعفات كان يمكن تفاديها لو وصل العلاج بصورة منتظمة ومفهومة وميسورة

إن أزمة الدواء لا تختصر في سؤال: هل الدواء متوفر أم لا؟ بل تشمل أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل يصل الدواء باستمرار؟ هل يعرف المريض ما الذي يتناوله؟ هل يتلقى توجيها صيدلانيا يحميه من الالتباس؟ وهل تترك قدرته المادية لتقرر مستوى اطمئنانه إلى علاجه؟

لذلك، فإن دعم الدواء لا تكتمل قيمته بمجرد وجوده في المخازن أو الإعلان عن توفيره، بل حين يصل فعلا إلى المريض في الوقت المناسب ومعه معلومة واضحة تحترم خوفه وحقه في الفهم، فالرعاية الصحية ليست تسليم علبة دواء فحسب، بل تمكين المريض من تناوله بأمان وكرامة ومن دون قلق

ويبقى السؤال الذي يستحق جوابا صريحا:

إذا كان العلاج مخصصا للمريض، فلماذا تظل رحلته إليه مليئة بالحيرة والخوف والانفاق؟

 

 

 

 


مشاهدات 27
الكاتب فريدة الحسني
أضيف 2026/10/06 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/10/07 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 10584 الكلي 16595753
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير