إيران .. إدارة البقاء أم كسر الخناق ؟
إياد العناز
يذكر وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في كتابه الموسوم (صمود الدبلوماسية) عن تأثير العقوبات الاقتصادية الأمريكية على بلاده ونتائجها التي آثرت على طبيعة وحياة المجتمع الإيراني وزادت من أزماته الاجتماعية واضعفت قدرات وإمكانيات الدولة الإيرانية في إيجاد مفاعيل رئيسية، لمواجهتها، ويذكر أنها كانت من الأسباب التي جعلت إيران تتجه إلى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية ( ألمانيا وبريطانيا وفرنسا) في العاصمة النمساوية (فيينا) وعقد جولات عديدة متواصلة أدت إلى توقيع اتفاقية العمل المشتركة الشاملة في تموز 2015 والتوصل لاتفاق يرضي جميع الأطراف بخصوص البرنامج النووي الإيراني في عهد إدارة الرئيس الأمريكي أوباما والسعي لرفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة الإيرانية..
ملامح القرار
أن قراءة متأنية للأوضاع الاقتصادية التي تمر بها إيران يظهر لنا أن مؤسسات النظام ذاهبة لمعادلة ترسم ملامح القرار الإيراني في المراهنة على الصمود السياسي، في حين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ذاهبة إلى سياسة (الخنق الاقتصادي)، في موقفين متوازيين تحاول طهران فيه رفع التكلفة الزمنية وجعله عاملًا مهمًا في دائرة المساحة السياسية التي تقترب فيها الانتخابات النصفية الأمريكية من أيامها والضغط باتجاه التأثير على موقف الحزب الجمهوري الأمريكي من حصوله على مقاعد له في مجلسي النواب والشيوخ بما قد يؤثر على السياسية الأمريكية التي ينتهجها الرئيس ترامب والتي من الممكن أن تضعف الجهد النيابي لأعضاء الحزب في الفوز بالدوائر الانتــخابية للولايات الأمريكية، وهو أمر تسعى إليه إيران في محاولة منها لتحقيق غاياتها وأهدافها في مواجهة العقوبات الاقتصادية والحصار البحري بابقاء مضيق هرمز مغلقًا أمام الإمدادات الخاصة بالطاقة الدولية والتجارة العالميـــــة واستمرار التأثير على أسواق النفط وارتفاع أسعار المواد الأساسية وأصول التأمين والشحن البحري، وهناك الإصرار الأمريكي الذي يعمل على اعتماد سياسة العقوبات أداة متواصلة في جعلها مكلفة لإيران وسعيها للحصول على تنازلات سياسية من أجل الوصول لاتفاق سياسي يفضي لفتح مضيق هرمز والنظر في العقوبات وإطلاق الأموال ومن بعدها الوصول إلى مبادئ أساسية بخصوص النشــــاطات النووية وتفعيل الرقابة الميدانية للوكالة الدولية للطاقة الذرية وعودة مفتشيها بعملهم ومتابعتهم للمنشآت والاماكن ذات الطابع النووي.
تأتي مرحلة العودة إلى سلاح العقوبات بديلاً عن المسار العسكري الذي أصبح أكثر حضورًا مع انتهاء هدنة ضعيفة لم تكن لها فاعلية في إيجاد مخارج حقيقية لإنهاء أو النظر في المواجهة الأمريكية الإيرانية دامت شهرين منذ توقيع مذكرة إسلام آباد بين واشنطن وطهران، وتعثر الحوارات السياسية والمفاوضات الدبلوماسية التي ابتدأتها باكستان وشاركت فيها دولة قطر ولقيت دعمًا ومساندة فعلية من قبل الصين الحليف الاستراتيجي لإيران.
بتاريخ 25 أيلول 2026 قدمت إيران مقترحًا للولايات المتحدة الأمريـــــــكية على هامش اجتماعات منظمة الأمـــــم المتحدة عُرف بمقترح (الأيام السبعة) والذي قُدم من قبل الوسيط الخليجي العربي القطري لإنهاء حالة التصعيد والتوتر والسعي لفتح مضيق هرمز.
هدنة مؤقتة
تتضمن المبادرة نقاط رئيسية تدعو لوقف إطلاق النار مع هدنة مؤقتة لمدة 7 أيام، يتم خلالها التزام إيراني بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة البحرية مقابل رفع الحصار البحري العقوبات الأمريكية عن صادرات النفط الإيراني والإفراج عن بعض الأموال المجمدة، ثم تبدأ لاحقًا محادثات مباشرة مع واشنطن تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
كان الرد الأمريكي برفض المقترح الإيراني والإصرار على أن يكون الملف النووي والقيود المتعلقة بالنشاطات والفعاليات النووية في مقدمة أي اتفاق رافضة حصر التفاوض في إجراءات مؤقتة أو جزئية من قبل طهران.
لا زالت إيران متمسكة برؤيتها حول اعتماد مضيق هرمز أداة ضغط سياسي واقتصادي واعتماده أساس في سعيها لتخفيف الضغوط الاقتصادية عنها قبل تقديم تنازلات إضافية في أي مفاوضات قادمة، بينما تواصل إدارة الرئيس ترامب المطالبة باتفاق بشروط أكثر حدة، وهو ما يعني استمرار كلا الطرفين بشروطه وسعى كل منهما لانتظار من يقدم خطوة أمامية للحصول على نتائج إيجابية أو مكاسب سياسية اقتصادية..
واشنطن تريد إعادة فتح مضيق هرمز قبل رفع أو تخفيف الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، بينما ترفض طهران التوجه الأمريكي وتطالب بحل توافقي لفتح مضيق هرمز أولًا وتحقيق أهدافها وغاياتها في إيجاد حلول لازماتها الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم العمل عل مناقشة جميع النقاط الرئيسية الأخرى بما فيها النشاطات النووية وبرنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والمسار السياسي الإقليمي الإيراني.
ويبقى مضيق هرمز الحلقة الأكثر حساسية في أي توسع جديد للمواجهة الأمريكية–الإيرانية، لأن التعامل الميداني معه يمكن أن يُترجم في الوقـــــت نفسه إلى ضغط على الطاقة، والبحر الأحمر، وباب المندب، والشراكة الأمنية الأمريكية.