الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح العلاج تهمة

← بواسطة azzaman

حين يصبح العلاج تهمة

نوال الجراح

 

 كان ولا يزال المجتمع الشرقي ينظر إلى زيارة الطبيب النفسي بنظرة مختلفة عن سائر الأطباء، وكأن اللجوء إليه إعتراف بنقص، أو تهمة تستدعي الخجل، أو أمر ينبغي إخفاؤه عن الآخرين.

وربما لا يثير هذا الموقف استغرابنا كثيرًا، فقد ترسخت الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي في بعض البيئات بفعل أفكار وعادات وموروثات اجتماعية جعلت الإنسان يتردد طويلًا قبل أن يطلب المساعدة.

لكن قصة إحدى النساء حول هذا الأمر ظلت عالقًة في ذاكرتي، لاسيما وان المجتمع العربي يعاني من إهمال الجانب النفسي في تفاصيل الحياة الأسرية بشكل خاص والحياة بشكل عام

حدثتني إحدى النساء أنها رافقت زوجها إلى طبيب نفسي، بعدما لاحظت عليه بعض الأعراض التي لم تؤثر في حياته الشخصية فحسب، بل انعكس أثرها أيضًا على علاقتهما الزوجية والأسرية وبعد انتهاء الزيارة، لاحظت المرأة لوم الطبيب لزوجها كيف يصطحب زوجته معه!

توقفتُ طويلًا عند هذه الحكاية. لم يكن السؤال بالنسبة لي عن موقف شخص بعينه، وإنما عن الفكرة التي تقف خلفه:

إذا كان الخوف من الوصمة حاضرًا لدى بعض المتخصصين، فكيف نطلب من الإنسان البسيط أن يتعامل مع المرض النفسي باعتباره حالة صحية تستحق العلاج؟

 إن الطبيب النفسي، في جوهر دوره، طبيب مثل غيره من الأطباء.

وكما نراجع طبيب القلب عندما نشعر باضطراب في أجسادنا، أو طبيب العيون عندما تتراجع قدرتنا على الرؤية، فإن النفس أيضًا قد تتعب، وقد تمر بأزمات واضطرابات تحتاج إلى تشخيص وعلاج ومساندة.

والمرض النفسي لا يختار الإنسان بحسب مستواه الدراسي، ولا وضعه المادي، ولامكانته الاجتماعية. قد يحتاج إليه المتعلم وغير المتعلم، الغني والفقير، القوي في نظر الآخرين كما يحتاجه من يبدو هشًّا أمامهم.

 والأهم من ذلك أن طلب المساعدة ليس دليلًا على الضعف، بل قد يكون خطوة من خطوات الوعي بالذات والمسؤولية عنها.

 فحين يعاني الإنسان نفسيًا ويترك ألمه دون معالجة، قد لا يبقى الألم محصورًا داخله؛ بل قد ينعكس على علاقته بزوجته وأبنائه وأسرته وعمله ومحيطه.

وقد يتحول ما كان يمكن التعامل معه في بدايته إلى معاناة أكثر تعقيدًا بمرور الوقت.

نحن بحاجة إلى تغيير اللغة التي نتحدث بها عن المرض النفسي، وإلى أن نكف عن استخدامه كوصمة أو مادة للسخرية أو سبب للعزلة.

 نحتاج إلى أن نربي أبناءنا على فكرة بسيطة وواضحة: كما نعتني بأجسادنا عندما تمرض، علينا أن نعتني بأنفسنا عندما تتعب أرواحنا ونفوسنا.

ولا ينبغي أن تكون زيارة الطبيب النفسي سرًا مخجلًا، ولا أن تتحول المعاناة النفسية إلى تهمة يهرب منها الإنسان خوفًا من نظرة الآخرين

. إن الوعي بالصحة النفسية لا يعني أن نضع تشخيصات لأنفسنا أو للآخرين، وإنما يعني أن نعرف متى نحتاج إلى المختص، وأن نحترم العلاج، وأن ندرك أن طلب المساعدة في الوقت المناسب قد يخفف عن الإنسان وعن أسرته كثيرًا من الألم.

ولعل أول خطوة في علاج الوصمة أن نتوقف عن النظر إلى المريض النفسي باعتباره مختلفًا عن بقية المرضى.

فالنفس، مثل الجسد، قد تمرض…

وما يحتاج إلى العلاج لا ينبغي أن يحتاج إلى الخجل.

 


مشاهدات 14
الكاتب نوال الجراح
أضيف 2026/10/06 - 2:45 PM
آخر تحديث 2026/10/07 - 12:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 10596 الكلي 16595765
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير