الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تحمل المرأة سلاحها.. من سينما المقاومة إلى نساء سنجار

← بواسطة azzaman

حين تحمل المرأة سلاحها.. من سينما المقاومة إلى نساء سنجار

يسرى خليل

 

أحياناً يكفي مشهد واحد كي يعيد ترتيب ذاكرة كاملة، لا لأن الصورة تحمل حكاية جديدة، بل لأنها تضع أمامنا ما اعتدنا رؤيته من زاوية لم نلتفت إليها من قبل. وهذا ما شعرت به وأنا أقرأ عن الفيلم الكردي»لا جنة لمن تقتلها امرأة» للمخرج هلكوت مصطفى، الذي اختاره العراق رسمياً لتمثيله في فئة أفضل فيلم دولي ضمن جوائز الأوسكار.

تدور الحكاية حول امرأة كردية تعمل قناصة، تعود إلى الموصل بحثاً عن شقيقتها التي يُعتقد أنها فُقدت خلال هجوم تنظيم داعش عام 2014. لكن ما بقي في ذهني لم يكن البندقية ولا مشاهد المطاردة، بل المرأة التي تقف خلف السلاح، امرأة لم يعد الخوف يحدد موقعها، بل أصبحت هي في مواجهة الخطر.

ومن هنا أخذتني الحكاية، بهدوء، إلى مكان آخر أعرفه جيداً: سنجار ... وتحديدا إلى نسائها.

كلما عادت الإبادة الإيزيدية إلى الذاكرة، حضرت النساء في أكثر صور المأساة إيلاماً: امرأة اختطفت من بيتها، فتاة اقتيدت إلى الأسر، أم فقدت أبناءها، وناجية عادت وهي تحمل في ذاكرتها ما تعجز اللغة عن احتوائه. غير أن هذه الصورة، على قسوتها، لا تختصر حكاية المرأة الإيزيدية.

السؤال الذي يستحق أن نلتفت إليه هو: كيف واجهت المرأة الإيزيدية الكارثة حين أصبحت جزءاً من حياتها اليومية؟

بعضهن حملن السلاح، وأخريات خضن معارك من نوع آخر، بحثن عن المفقودين، حمين أطفالهن، حفظن شهاداتهن، أو حاولن استعادة حياتهن من بين ركام ما حدث.

من بين المقاتلات اللواتي ارتبط اسمهن بمقاومة داعش عاصما داهر، التي حملت السلاح وانضمت إلى وحدة نسائية وشاركت في القتال. وفي شهادة نقلتها صحيفة Irish Independent عام 2016، تحدثت عن مشاركتها في معارك عام 2014 وعن إصابتها في ساقها.

وفي الجانب الآخر من هذه الحكاية تأتي نازي مصطو دنايي، التي اختُطفت مع عائلتها في الثالث من آب 2014، وظل مصير زوجها وابنها جلال مجهولاً. داخل الأسر، وجدت نفسها أمام معركة لا تشبه ساحات القتال؛ لكنها، بشجاعة وحنكة، تمكنت من تحرير بناتها الثلاث.

نظير حقيقي

تختصر نازي معنى مختلفاً للبطولة. فلم تكن تحمل بندقية، لكنها حملت مسؤولية عائلتها في واحدة من أقسى الظروف التي يمكن أن يواجهها إنسان. قصتها تذكّرنا بأن المقاومة قد تكون فعلاً هادئاً في ظاهره، شديد القسوة في جوهره، أن تحمي من تحب، وأن تنتزع لهم طريقاً إلى الحرية، وأن ترفض أن يتحول الأسر إلى خاتمة.

بهذا المعنى، لا يبقى الفيلم حكاية عن الحرب، بل يقودنا إلى سنجار ونسائها.

فالمرأة التي تظهر في السيئما وهي تحمل السلاح لها نظير حقيقي في سنجار، لكن الواقع أكثر تعقيداً من أن تختصره صورة واحدة. فهناك من قاتلت، ومن نجت، ومن بحثت، ومن شهدت، ومن عادت، ومن اختارت أن تبدأ من جديد.

المرأة الإيزيدية ليست ضحية فقط، كما أنها ليست مقاتلة فقط. إنها امرأة تحمل تجربة إنسانية كاملة؛ أم، وأخت، وناجية، وشاهدة، ومقائلة، ومعلمة، وناشطة، وامرأة تحاول أن تستعيد علاقتها بمكان أراد المعتدي أن ينتزعها منه.

وتتجاوز المقاومة، في هذا السياق، حدود المواجهة المسلحة. فحين تسجل الناجية شهادتها، فهي تحمي الحقيقة من النسيان. وحين تبحث أم عن ابنها، فهي ترفض أن يتحول الفقد إلى غياب بلا أثر. وحين تعود امرأة إلى بيتها، فإن عودتها تحمل معنى يتجاوز المكان؛ إنها استعادة لحق انتزع منها بالقوة.

ولأن الإبادة تستهدف المجتمع بقدر ما تستهدف أفراده، فإن استمرار النساء في الحياة وإعادة بناء الأسرة والتمسك بالذاكرة واللغة والأرض يمثل جانباً من مواجهة آثار الجريمة. فالمجتمع الذي أراد له المعتدي أن ينكسر، يجد في قدرة نسائه على الاستمرار أحد أسباب بقائه. ولهذا، حين عدت إلى صورة المرأة في الفيلم، رأيت خلفها نساءً حقيقيات في سنجار، وجدن أنفسهن في حرب لم يخترنها، واتخذن قرارات مصيرية في لحظات لم يكن فيها وقت للخوف.

لكن سؤالا واحدًا ظل عالقا في ذهني:

من يملك حق كتابة النهاية؟

حاول داعش أن يكتب نهاية الإيزيديين في سنجار، جعل النزوح قدراً، والأسر مصيراً، والخوف حياة. لكنه لم يستطع أن يوقف الحكاية عند تلك اللحظة.

فقد بقيت نساء يتحدثن، وأخريات يعدن، ومقاتلات يحملن السلاح، وأمهات يبحثن، وناجيات يطالبن بالعدالة، ونساء يواصلن بناء حياتهن رغم كل ما انكسر.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله ونحن نروي قصص نساء سنجار هو ألا تتوقف عند اللحظة التي وقعت فيها الجريمة، بل ننظر إلى ما فعلته النساء بعدها. فالقصة لا تبدأ بالاختطاف ولا تنتهي عند النجاة، هناك مساحة كاملة بينهما، صنعت فيها النساء قراراتهن، وحفظن ما استطعن من عائلاتهن وذاكرتهن وكرامته .

 

 


مشاهدات 24
الكاتب يسرى خليل
أضيف 2026/09/28 - 3:30 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 12:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 39 الشهر 49149 الكلي 16581669
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير