لغة الضاد لتذييل التضاد
شيرزاد نايف
من موقعي ككاتب كورديٍّ شهد مخاض العَلاقة بين أربيل وبغداد وعاصر تقلّباتها، لم أكن أرى في الخطابات السياسية الرسمية سوى متوالية من البيانات المترجمة التي تقف عند حدود البروتوكول دون أن تنفذ إلى الوجدان. غير أن ما جرى في العاصمة بغداد، خلال المراسم الرسمية لإنهاء مهام التحالف الدولي، كسر تلك المتوالية الرتيبة؛ حين اعتلى رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، المنصة ليخاطب العراق كُله، لا بلسانه المعتاد، بل بلغة الضاد.لم تكن تلك الخطوة خياراً شكلياً أو تفصيلاً عابراً، بل مغامرة حقيقية في ميدان الفصاحة والبيان. فالحديث بلغة ثانية لم تُمارَس طويلاً بطلاقة، ولا سيما بعد التقدم في السن وتراكم التجارب، يفرض تحدياً جسدياً وذهنياً لا يستهان به؛ إذ يتطلب شجاعة استثنائية لكسر حواجز اللسان قبل حواجز السياسة. ولعل النجاح في إلقاء الخطاب وتجاوز صعوبة النطق بتلك الفصاحة يعكس إرادة صلبة تجاوزت محذور الارتباك لتصنع لحظة نادرة من التواصل المباشر مع الآخر.إن التكوين الفكري والدبلوماسي للبارزاني ينزع دائماً نحو بناء الجسور وتجسير الفجوات. وإذا كانت الكلمة في الفلسفة هي المسكن الأول للوجود، فإن اختيار اللغة العربية كان بمثابة نقل المقام الفكري من قطبية الخطاب المزدوج إلى رحابة النص الشامل. لقد جرد الرسالة من المترجمين لينفذ مباشرة إلى الوعي الجمعي للعراقيين، محولاً اللسان العروبي إلى جسر كوردي يمتد نحو الشريك العراقي، في وقت تتطلب فيه المفاصل التاريخية وضوحاً لا يحتمل التأويل.
حين يطرح قادة الإقليم مفهوم السيادة وحصر السلاح بيد الدولة وقرار الحرب والسلم تحت ظلال الدستور، فإن طرحها بلغة الجمهور المباشر يمنح المعنى بُعداً وطانياً ناطقاً؛ فالسيادة هنا لا تُطالَب كحق فئوي، بل تُقرَّر كمصير مشترك. إنها تجربة تثبت أن شجاعة الموقف السيادي تبدأ من شجاعة النطق بلغة الآخر، لتتحول المغامرة اللغوية إلى نجاح سياسي وفلسفي يطوي زمن الاحتجاب خلف الترجمة، ويفتح باب الحوار على اتساعه.