الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من الحضانة حتى الدكتوراه.. لا نهضة بلا تعليم مجاني وشامل

← بواسطة azzaman

من الحضانة حتى الدكتوراه.. لا نهضة بلا تعليم مجاني وشامل

محمد الربيعي

 

لا دولة تقدّمت، ولا دولة نهضت، ولا دولة أصبحت عالمية بتعليم أهلي أو خاص. كل دولة صنعت مجدها اعتمدت على التعليم الشامل والمجاني كحق لكل مواطنيها. فنلندا، التي تتصدر العالم في جودة التعليم، جعلت التعليم المجاني من مرحلة ما قبل المدرسة حتى الجامعة حقاً دستورياً لكل مواطن، مع وجبات مدرسية مجانية ونقل مجاني وكتب مجانية. سنغافورة، التي تحوّلت من دولة فقيرة إلى واحدة من أغنى دول العالم، تفرض تعليماً إلزامياً مجانياً على جميع أطفالها، وتنفق 13.3 بالمئة من ميزانيتها على التعليم. الصين، التي أصبحت القوة الاقتصادية الثانية عالمياً، وسّعت نطاق التعليم المجاني ومدّدت سنوات التعليم الإلزامي، لأنها أدركت أن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة. السويد، التي تُعد من أكثر دول العالم تقدماً ورفاهية، تقدم تعليماً مجانياً ممولاً من الضرائب من سن السادسة، وتتيح التعليم العالي مجاناً مع مساعدات طلابية للجميع.

هذه ليست مصادفة. هذه ليست صدفة تاريخية. هذه قاعدة ثابتة فالأمم لا تنهض إلا بتعليم شامل ومجاني يصل إلى كل طفل، في كل قرية، وفي كل مدينة، بغض النظر عن دخل أسرته أو خلفيته الاجتماعية.

 حين يتحول الحق إلى امتياز

في العراق، التعليم المجاني ليس ترفاً ولا منّة، بل هو حق قانوني ودستوري منذ عام 1974، حين أصدرت الحكومة قراراً أكدت فيه مجانية التعليم لجميع أبناء المجتمع ولكافة المراحل الدراسية، بل ذهبت أبعد من ذلك وألغت المدارس الأهلية في عام 1975. كان العراق منذ تاسيسه والى تلك الحقبة منارة للعلم والمعرفة في المنطقة، وكان تعليمه مجانياً وشاملاً فعلاً لا قولاً.

لكن اليوم تحول هذا الحق إلى مسخرة، فالتعليم في العراق رمز للتدهور والفساد، والجامعات عاجزة عن أداء دورها. نسبة الالتحاق بالتعليم العالي لا تتجاوز 19بالمئة، ونصف الجامعات متمركزة في بغداد، بينما نينوى والأنبار وصلاح الدين لا تمتلك سوى 1بالمئة منها. والأخطر أن التعليم العالي لم يعد مجانياً ولا شاملاً، بل صار سلعة يشتريها القادرون فحصة التعليم الأهلي نحو 30بالمئة من المقبولين، والهدف رفعها إلى 50بالمئة، في بلد أكثر من 60بالمئة من سكانه تحت سن الثلاثين. ففي 2024، هناك 31 جامعة حكومية تضم 541 ألف طالب، مقابل 165 جامعة أهلية تضم أكثر من 211 ألف طالب، أي أن الخاص يعمل بمنطق الربح لا الحق. كذلك لم يعد التعليم الموازي والمسائي قنوات مساندة، بل بوابة خلفية لخصخصة التعليم الحكومي: رسومه تتراوح بين 2 و8 ملايين دينار للتخصصات الإنسانية و6 و15 مليوناً للطبية، وطالب طب موازي دفع 12 مليوناً ثم خُفّضت إلى 9 ملايين، وهو مبلغ هائل قياساً بمتوسط دخل عائلي لا يتجاوز 750 ألف دينار، وأكثر من 27بالمئة من العراقيين تحت خط الفقر. وتقديرات 2024/2025 تشير إلى أكثر من 120 ألف طالب في الموازي والمسائي الحكومي و90 ألفاً في الأهلي، وقُبل 21,765 طالباً في الموازي، بينهم 2,995 في المجموعة الطبية. هؤلاء يدفعون مقابل تعليم يفترض أنه حق دستوري مجاني، دون أي امتياز حقيقي، إذ تتساوى الشهادتان قانونياً.  وهكذا يتحول التعليم إلى آلة لاستخراج الأموال من الأسر، لا لخدمة الطلبة، تحت ذريعة استيعاب الأعداد. والدول التي نهضت — فنلندا، كوريا الجنوبية، سنغافورة، الصين، السويد — لم تترك تعليمها العالي للخاص ولا ابتكرت قنوات موازية لبيع المقاعد، بل جعلته حقاً مجانياً وشاملاً. أما العراق، فبينما يعاني نصف شبابه من البطالة، يوسّع التعليم المدفوع ويحوّل الجامعة من مصنع للمواطنين إلى دكان لبيع الشهادات. هذا انتحار حضاري، فأما أن تعود الجامعات إلى مجانيتها وشموليتها، وأما نستعد لمجتمع طبقي، نصفه يتعلم بالمجان والنصف الآخر يشتري حقه بالدينار. العراق الذي علّم العالم الكتابة لا يستحق أن يبيع التعليم بالمزاد.

الفساد الآفة التي تنهش عظام التعليم العراقي

الفساد في العراق لم يعد خفياً ولا مستتراً. لقد أصبح نظاماً، وأصبح التعليم أحد أبرز ضحاياه. في قطاع التربية والتعليم، تشكل أزمة نقص الأبنية المدرسية واللجوء إلى خيار «الدوام الثلاثي» أحد أبرز الشواهد على تراجع مستوى الخدمات الأساسية. ملف طباعة المناهج الدراسية تحوّل إلى ماكنة لنهب المال العام، حيث يتم تغيير المناهج سنوياً دون مبرر علمي واضح، مما يؤدي إلى إتلاف النسخ القديمة وتبرير إبرام عقود طباعة جديدة ومستمرة.

وزير أُحيل إلى المحكمة الجنائية بتهم فساد تتجاوز 21 مليار دينار. وفي ااحدى المحافظات، كُشفت عملية اختلاس أكثر من مليار دينار من مخصصات التربية. هذه ليست حالات فردية. هذه منظومة فساد تغذيها المحاصصة والمحسوبية والنفوذ السياسي. الوزارات والجامعات تعاني من المحسوبية والرشوة والتأثير السياسي، وشهادات مزورة تُهدد قيمة الشهادات الحقيقية.

 أرقام صادمة تفضح تخاذل الدولة

العراق ينفق أقل من 6بالمئة من ميزانيته الوطنية على التعليم، مما يضعه في أدنى مرتبة بين دول الشرق الأوسط. بينما يخصص 11.5بالمئة فقط من موارده للإنفاق التعليمي العام، وهو أقل بكثير من التزام 15-20بالمئة المطلوب في إعلان إنتشون. في المقابل، تنفق سنغافورة 13.3بالمئة من ميزانيتها على التعليم، وتنفق فنلندا بسخاء على كل طالب من مرحلة ما قبل المدرسة حتى الجامعة.

الفرق ليس في الموارد. العراق بلد نفطي غني. الفرق في الإرادة السياسية. الفرق في الرؤية. الفرق في الضمير.

 التعليم الشامل ليس تكلفة، بل استثمار

على القيادات العراقية أن تفهم أن التعليم الشامل والمجاني ليس عبئاً على الميزانية، بل هو أعلى عائد استثماري يمكن أن تحققه أي دولة. فنلندا، التي تقدم تعليماً مجانياً من الحضانة إلى الدكتوراه، هي من أكثر الدول ابتكاراً وتنافسية في العالم. سنغافورة، التي تستثمر بسخاء في تعليم مواطنيها، بنت اقتصاداً قائماً على المعرفة والتكنولوجيا. الصين، التي وسّعت تعليمها المجاني والإلزامي، تحوّلت إلى مصنع العالم ومركز الابتكار العالمي.العراق الذي يملك أكثر من 45 مليون نسمة، غالبيتهم تحت سن الثلاثين، لا يمكنه أن يترك هذه الثروة البشرية الهائلة عرضة للجهل والفقر والتطرف. كل طفل عراقي لا يجد مقعداً في مدرسة مجانية هو خسارة للعراق. كل شاب عراقي لا يجد جامعة مجانية قريبة من بيته هو طاقة مهدرة. كل أستاذ جامعي يهمل تدريبه أو يُهجَّر أو يُهمَّش هو عقل مفقود للأبد.

المطلوب هو إصلاح جذري لا تجميل

المطلوب من القيادات العراقية ليس خطابات ولا وعوداً، بل إجراءات جذرية:

أولاً: إعادة إحياء مبدأ مجانية التعليم في جميع المراحل، وإلغاء أي رسوم أو تكاليف غير قانونية تُفرض على الطلاب. التعليم حق، لا سلعة.

ثانياً: ضمان شمولية التعليم ببناء مدارس في كل منطقة، وإنهاء نظام الدوام الثلاثي الذي يُهين الطلاب والمعلمين على حد سواء.

ثالثا: تأميم الجامعات الاهلية او جعلها غير ربحية.

رابعا: محاربة الفساد في قطاع التعليم بلا هوادة، ومحاسبة كل من ينهب قوت أطفال وشباب العراق، من وزير إلى أصغر موظف.

خامسا: رفع نسبة الإنفاق على التعليم إلى 20بالمئة من الميزانية الوطنية، كما التزم العراق في المحافل الدولية.

سادسا: إعادة الاعتبار للمعلم والأستاذ الجامعي، وتحسين رواتبهم وظروفهم المعيشية، لأن من يربي أجيال العراق لا يجب أن يعيش في ذل.

 وفي النهاية.. العراق يستحق أن يعود

العراق الذي علّم العالم الكتابة، وبنى أولى الحضارات، وخرّج العلماء والأطباء والمهندسين، لا يمكن أن يقبل بأن يكون في ذيل قائمة الأمم المتعلمة. التعليم الشامل والمجاني ليس مجرد سياسة تعليمية، بل هو قرار وجودي لمستقبل العراق. إما تعليم شامل ومجاني يرفع العراق إلى مكانته الطبيعية بين الأمم، أو فساد وتعليم خاص يعمّق الجهل والطبقية والتخلف.

العراقيون يستحقون أفضل مما هم فيه. أطفال العراق يستحقون مدارس نظيفة وآمنة ومجانية. شباب العراق يستحقون جامعات قريبة وعالمية المستوى. العراق يستحق أن يعود. وعودته لا تبدأ من النفط، بل من الطفل الذي يحمل حقيبة مدرسية مجانية، ومن الطالب الذي يدخل جامعة مجانية، ومن المعلم او التدريسي الذي يكرّمه وطنه كما يكرّم أبطاله.

هذا ليس حلماً. هذا ما فعلته فنلندا. هذا ما فعلته سنغافورة. هذا ما فعلته الصين. هذا ما فعلته السويد وكل دولة تحترم شعبها. فلماذا لا يفعلها العراق؟

 

 


مشاهدات 46
الكاتب محمد الربيعي
أضيف 2026/10/03 - 2:06 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 3:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 245 الشهر 3481 الكلي 16588650
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير