أَأَكُونُ فِي النَّارِ الحَجَرْ؟
عبد المنعم حمندي
كِفْكِفْ دُمُوعَكَ..
فَاللَّيَالِي كُلُّهَا تَذْرِفُ رِمَالاً
فِي القُلُوبِ بَدَلَ الدُّمُوعِ الجَامِدَةِ
هَذِي سَمَاؤُكَ أَمْطَرَتْ حَجَراً تَلَفَّعَ
فِي السُّخَامِ عَلَى الوُجُوهِ.. كَأَنَّهَا
الضَّحِكُ المُدَافُ بِالمَرَارَةِ
فِي العُيُونِ الجَاحِدَةِ
فَمَتَى نُهَشِّمُ صَخْرَةَ الجُوعِ الكَبِيرِ
حَتَّى تَعُودَ القَهْقَهَاتُ بَارِدَةً؟
نَبْكِي لِمِشْرَطِنَا الجَدِيدِ، بِجُرْحِ أَرْضٍ
أَوْسَعَتْ أَبْوَابَهَا المُتَبَاعِدَةَ
وَهَيَّأَتْ دَرْباً لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ
الشَّارِبِينَ دَمَ النَّخِيلِ
لِلْعَابِرِينَ عَلَى المَهَازِلِ سَاخِرِينَ،
وَنَنْتَشِي.. مِنْ دُونِ سُخْرِيَةٍ تَقْطُرُ
فِي كُؤُوسِ الحَالِمِينَ!
فَإِذَا ابْتَسَمْنَا.. اغلَقوا بَابُ السَّمَاءِ
لَمْ يَبْقَ مِنْ شَبَقِ الصِّرَاعِ
عَلَى الرَّغِيفِ سِوَى الدِّمَاءِ
فَكُلُّ شَيْءٍ مَغْنَمٌ حَتَّى الهَوَاءُ
يَتَخَاصَمُونَ.. وَفِي البَقَاءِ تَحَاصُصٌ
سَرَقُوا الأَصَابِعَ مِنْ يَدَيْكَ
سَرَقُوا المَوَاوِيلَ الَّتِي تَحْنُو عَلَيْكَ
لا يَنْظُرُونَ إِلَى انْكِسَارِكَ
أَوْ عُوَائِكَ فِي انْفِجَارْ
دَعْ لَحْمَكَ المَنْثُورَ يَبْحَثُ
عَنْ هُوِيَّتِكَ "الطَّشَارْ"
•••••
يَتَسَاقَطُونَ عَلَى حُدُودِ التِّيهِ،
كَيْ لا يَسْكُنُوا ظِلَّ السَّحَابْ.
أَنَا مَنْ بَنَى مَلَكُوتَهُ مِنْ غَيْمَةٍ.. هَذَا السَّرَابْ
وَصُورَةُ الوَطَنِ المُعَلَّقِ فِي الأَسَى
بِأَنَاقَةٍ فَوْقَ الحِرَابْ
لا دِجْلَةُ المَعْنَى يُمَيِّزُ لَحْنَنَا بَيْنَ المُغَنِّينَ
وَلا يَشْقَى بِفَهْمِ الإِثْنِيَّاتِ أَوْ الطَّوَائِفْ
حَتَّى النَّخِيلُ يُدَثِّرُ البَرْدَ المُمَعْرِشَ
فِي النَّازِحِينَ مِنَ الصَّرَائِفْ
سَلْ دَمْعَنَا وَوُجُوهَنَا عَنْ خُبْزِنَا:
هَلْ غَيَّرَتْ فِينَا العَوَاصِفْ؟
•••••
أَنَا صَوْتُهَا الأَزَلِيُّ..
مُذْ صَدَحَتْ بِأَرْضِ الأُغْنِيَاتْ
وَفِي دَمِي وَجَعُ الصَّدَى
يَقْتَادُ أَقْدَامِي إِلَى نَهْرِ الفُرَاتْ
سَلْ نَزْفَهُمْ وَجُرُوحَهُمْ:
هَلْ بَيْنَهُمْ شَجَرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الأَرُومَةِ فِي القَبَائِلْ؟
هَلِ اسْتَطَاعَ الخَوْفُ أَنْ يَطْوِيَ التَّزَاوُجَ فِي العَوَائِلْ؟
قَلْبِي عَلَى مَنْ مَاتَ ظُلْماً فِي الغَوَائِلْ
وَعَلَى ضَحَايَا شَارِعٍ لا تَسْتَرِيحُ بِهِ النَّوَازِلْ
•••••
مِنْ أَجْلِ نَافِذَةٍ تُطِلُّ عَلَى الوَرَى
تَتَصَاعَدُ النَّارُ بِدُسْتُورٍ تَلَغَّمَ مُفْتَرَى
فَأَلُمُّ مِنْ وَجَعِ الحِجَارَةِ
نَزْفَهَا المُلْتَاعَ مِفْتَاحَ القُرَى
كَيْ لا أُبَاعَ وَأُشْتَرَى
لا أَرْضَ لِي
وَلا العَوَاصِمُ تَسْتَطِيعُ تَلُمُّنِي بَعْدَ الغِيَابْ
الرِّيحُ نَزْفِي
لا لُهَاتَ سِوَايَ فِي المِسْكِ
المُدَافِ بِمُقْلَتَيَّ دَمُ اليَبَابْ..
فَمَنْ يُقَيِّدُ خُطْوَتَيَّ نَحْوَ الإِيَابْ؟
هَلْ مِنْ مدائن تَحْتَوِينِي،
إِذَا اسْتَبَدَّ بِيَ الضَّيَاعْ
وَخَانَنِي ظِلِّي إِذَا نَعَقَ الغُرَابْ؟
سَأُقِيمُ عَرْشاً مِنْ شَرَارٍ،
أَطَّرِحُ الأَسْمَاءَ
فِي سِفْرِ الإِقَامَةِ مِنْ جَدِيدْ
وَأَرْتَقِي عُرْيَ الوَلِيدْ.
وَأَقُولُ لِلنَّجْمِ البَعِيدْ:
أَنَا المُلَحِّنُ وَالغناءْ
لم ألتفت للصَّاعِقَاتْ.
لأيّ قيثار وعُود
سَأَصْنَعُ الأَلْحَانَ مِنْ نَارِ القَصِيدْ،
حَتَّى يَصِيرَ النَّوْحُ عَزْفاً لِلنَّشِيدْ
سَأَظَلُّ أَرْكُضُ فِي السَّرَابِ
كَمُهَاجِرٍ فَقَدَ الأَثَرْ،
أَهْدِي لِبَغْدَادَ اغْتِرَابِي
وَمَا تَبَقَّى مِنْ إِهَابِي
أَأَكُونُ فِي النَّارِ الحَجَرْ؟
أَوْ حِينَ أَصْرُخُ فِي البِطَاحْ
أَذْرُو الرُّفَاتَ عَلَى الرِّيَاحْ،
وَلا أُبَالِي بِالصَّدَى...
•••••
أَنْتَ المُرَابِطُ فِي سُؤَالِكَ،
لَمْ تُصَالِحْ أَيَّ أَرْضٍ،
لَمْ يَتَّسِعْ لَكَ أَيُّ سَقْفٍ،
غَيْرَ صَمْتِكَ حِينَ تَعْشَقُ
دُونَ مَهْرٍ أَوْ صَدَاقْ
مَا الأَرْضُ إِلاَّ لَحْظَةٌ مَمْنُوحَةٌ،
كَيْ يُصْبِحَ المَنْفَى وَطَنْ
كِفْكِفْ دُمُوعَكَ وَارْتَقِ فَجْراً
لِشَمْسِ الانْعِتَاقْ!
هُمْ حَاصَرُوكَ وَفِي وَثَاقِكَ قَيَّدُوكْ
فَلا تُطَأْطِئْ لِلنِّفَاقْ
الأَرْضُ لَكَ، وَالمَاءُ لَكَ، وَالمُلْكُ لَكَ
وَفِي سَمَائِكَ غَيْمَةٌ تُجْلَى
كَمَا يُجْلَى المُحَاقُ
فَاحْمِلْ سَرِيرَتَكَ الخَبِيئَةَ
وَافْتَتِحْ لَيْلَ العِرَاقْ
أَنْتَ الحَقِيقَةُ حِينَ تَبْلُغُ نَارَهَا،
فَكَيْفَ تَرْضَخُ لِلْفَنَاءِ؟
تَفْنَى المَمَالِكُ، وَالرِّهَانُ مُعَلَّقٌ
فِي شِفْرَةِ الإِعْجَازِ يَنْعَقِدُ اللِّوَاءْ،
فَاكْتُبْ هُوِيَّتَكَ الأَثِيرَةَ غَيْمَةً،
تَسْقِي الظَّمَأَ مِنْ غَيْرِ مَاءِ!
فَتُعِيدُ خَلْقَ العَالَمِينَ.
تَبْنِي وُجُودَكَ مِنْ حُرُوفٍ أَشْعَلَتْ
جَمْرَ اليَقِينِ،
وَنَارَ جُرْحِكَ فِي الأَمَدْ!
هِيَ لَمْ تَكُنْ صُوَرَ المَعَانِي وَحْدَهَا،
بَلْ كَانَتِ الرُّوحَ الذبيحةَ لِلأَبَدْ،
تَسُوسُ خَيْلَ الأَبْجَدِيَّةِ وَالرُّؤَى
أَوْ رُبَّمَا تَهَبُ الخُلُودَ لِمَنْ فَقَدْ!
وَتَصُوغُ مِنْ نَسْغِ النَّخِيلِ دَرِيئَةً تَحْمِي البَلَدْ
.....