التسامح لغة الأقوياء
إبراهيم المحجوب
الكثير منا يعيش حياته الهادئة بمواقف سلمية، بعيدا عن التعصب وبعيدا عن إزعاج الآخرين، ويبحث عن السلام الدائم؛ لأن في داخله نفسا مطمئنة وروحا هادئة، اختارت أن تبتعد عن شرور الدنيا وما فيها من خصومات وأحقاد. لكن يبقى السؤال الحقيقي: ماذا تفعل عندما تكون في موقف يتطلب منك التسامح والعفو، بينما تكون قادرا على الرد والانتصار؟ هنا تحديدا تظهر المواقف الإنسانية التي لا يستطيع كل إنسان أن يتحلى بها، لأن التسامح في لحظات القدرة ليس ضعفا، بل هو لغة الأقوياء.
ليس من الصعب أن تسامح شخصا اعتذر إليك، ولكن القوة الحقيقية أن تسامح من أخطأ بحقك ولم يعتذر، وأن تختار العفو وأنت قادر على رد الأذى بأذى أكبر. ففي تلك اللحظة أنت لا تنتصر على خصمك فقط، بل تنتصر على غضبك ورغبتك في الانتقام، وتثبت أن أخلاقك أقوى من الإساءة التي تعرضت لها.
التسامح لا يعني أن ننسى ما حدث، ولا يعني أن نسمح للآخرين بتكرار أخطائهم بحقنا، وإنما يعني أن نحرر قلوبنا من حمل الكراهية. فبعض الأخطاء نتعلم منها، وبعض الأشخاص نبتعد عنهم، لكننا لا نحتاج إلى أن نحملهم معنا في كل يوم داخل ذاكرتنا وقلوبنا.
هناك فرق كبير بين الضعف والتسامح؛ فالضعيف قد يعجز عن الرد، أما المتسامح فهو الذي يستطيع الرد لكنه يختار العفو. الأول يسكت لأنه لا يملك القدرة، والثاني يصمت لأنه يملك من الحكمة ما يجعله يرى أن بعض المعارك لا تستحق أن نخسر من أجلها راحة أرواحنا.
وفي حياتنا، كم من خصومة بدأت بكلمة وانتهت بقطيعة، وكم من صديق أصبح غريبا بسبب موقف عابر، وكم من أخ ابتعد عن أخيه بسبب كبرياء من الطرفين. ولو امتلك أحدهما شجاعة الاعتذار، وامتلك الآخر شجاعة التسامح، لانتهت سنوات من الجفاء بكلمة واحدة.
التسامح لا يمحو الماضي، لكنه يمنع الماضي من أن يتحول إلى سجن نعيش فيه. فالإنسان الذي يحمل الحقد طويلا يعاقب نفسه قبل أن يعاقب من أساء إليه، بينما الإنسان المتسامح يمنح نفسه فرصة جديدة للحياة بعيدا عن ثقل الكراهية.
وقد تكون أجمل صور التسامح أن تلتقي بمن أساء إليك بعد سنوات، فلا تبحث في عينيه عن لحظة ضعف، ولا تذكره بما فعل، ولا تشعره أنك أفضل منه، بل تكتفي بابتسامة تقول له إن الزمن علمك أن راحة القلب أغلى من الانتصار في الخصومة.
ليس كل من نختلف معه عدوا، وليس كل من أخطأ بحقنا يستحق أن نقطع علاقتنا به إلى الأبد. فالناس يخطئون، ونحن أيضا نخطئ، والفرق بين إنسان وآخر أن بعضنا يتعلم من أخطائه، وبعضنا يصر عليها.
إن التسامح شجاعة أخلاقية، والعفو عند المقدرة منزلة لا يصل إليها إلا من امتلك قلبا كبيرا ونفسا راقية. فالقوي الحقيقي ليس من يخيف الآخرين، ولا من يكثر خصومه، ولا من ينتصر في كل مواجهة، بل من يستطيع أن ينتصر دون أن يهين، وأن يرد دون أن يظلم، وأن يعفو عندما تكون له القدرة على العقاب.
وفي نهاية المطاف، سنكتشف أن كثيرا من الأشياء التي أغضبتنا يوما لم تكن تستحق كل ذلك الغضب، وأن كثيرا من الأشخاص الذين خسرناهم كان يمكن الاحتفاظ بهم بكلمة طيبة، وأن الحياة أقصر من أن نقضيها في عدّ أخطاء الآخرين.
فالتسامح ليس تنازلا عن الكرامة، بل ارتقاء بها، وليس ضعفا في الشخصية، بل قوة في الروح. ومن استطاع أن يسامح وهو قادر، فقد امتلك واحدة من أجمل صور الانتصار... أن تنتصر على نفسك قبل أن تنتصر على الآخرين.
فالتسامح لغة الأقوياء، أما الحقد فلا يحتاج إلى قوة... يكفيه قلب متعب.