المدينة مسبحة من الذاكرة
أمل الجبوري
منذ زمن وأنا أنتظر كتاباً يخرج من العراق، لا ليعيد رواية التاريخ الرسمي، ولا ليضيف خطاباً جديداً إلى خطابات السياسة، بل لينحني على ما يتساقط من ذاكرة الناس، ويلتقط التاريخ الشفاهي من أفواه الجدات والأجداد قبل أن يسبقنا رحيلهم، فتُدفن معهم الحكايات التي لم تجد من يصغي إليها أو يدوّنها.
فالتاريخ لا يضيع فقط حين تُحرق الوثائق وتُنهب الأرشيفات، بل يضيع أيضاً كلما ماتت جدة وهي تحمل في صدرها سيرة عائلة، أو رحل جدّ وفي ذاكرته أسماء البيوت والجيران والأسواق والأغاني والأمثال والطرقات التي لم تعد موجودة.
جاء كتاب الكاتب الشاب إيهاب شغيدل، «طفل من دولة الخرز: عن الثورة والجدات واللعب»، ليقترب من هذه المنطقة المنسية؛ من التاريخ المطمور في الحياة اليومية، ومن مدينة الثورة كما عرفها أهلها، لا كما رسمتها عنها السلطة أو الإعلام أو المخيلة النخبوية البعيدة.
إنه كتاب عن مدينة، لكنه أيضاً كتاب عن الإنسان حين يحاول إنقاذ ما تبقى من طفولته. قسّم الكاتب فصوله إلى «خرزات»: خرزة خيرية مجذوب، وخرزة اللعب، وخرزة المدينة، وخرزة العقائد، وخرزة الأشياء، ثم خرزة عباس نادر. كأن المدينة مسبحة تتناوبها أصابع الزمن، فيما يكون الناس خرزاتها، وتكون الشوارع ذلك الخيط الخفي الذي يمنعها من التبعثر.
ولا يستند الكتاب إلى ذاكرة الكاتب وحدها؛ فقد أمضى نحو عامين في الرحلات والمقابلات، والتقى أكثر من مئة شخص من سكان مدينة الثورة، ينتمون إلى أعمار وأزمنة مختلفة. وهنا تتجاوز الكتابة حدود السيرة الذاتية، لتصبح عملاً في التاريخ الشفاهي، وبحثاً صحفياً وأنثروبولوجياً مكتوباً من داخل المكان، لا من شرفة تطل عليه من بعيد.
هذا الكتاب يعيد الاعتبار أيضاً إلى مفهوم طالما أسيء فهمه: الزمن الجميل.
لقد وُضع الحنين إلى الماضي، في كثير من الأحيان، داخل قوالب أيديولوجية جاهزة، حتى صار من يتحسر على أيامه الجميلة في بلده أو مدينته يُتَّهم بأنه يتحسر على النظام السياسي الذي حكم تلك المرحلة، أو يحن إلى حقبة أيديولوجية بعينها. لكن الحنين إلى الماضي ليس استفتاءً على السلطة التي حكمته.
حين يحن الإنسان إلى طفولته، فهو لا يحن إلى الحاكم، بل إلى ذاته قبل أن تجرحها الحياة؛ إلى الجيران والأصدقاء والبيوت الحميمة وساحات اللعب وروائح المطابخ وأصوات الباعة ووجوه الذين غابوا. قد تكون البلاد يومها تحت حكم طاغية العصور كلها، ومع ذلك يحتفظ الفرد من ذلك الزمن بضحكة أمه، ويد جدته، وصديقه الأول، والطريق إلى المدرسة. وهذه، في رأيي، واحدة من أجمل القراءات المضادة التي يقدمها كتاب إيهاب شغيدل لمن حاولوا أدلجة الحنين ومصادرة حق الإنسان في أن يحب زمناً من حياته من دون أن يمنح شرعية سياسية لمن حكمه.
يأخذنا الكتاب إلى مدينة تبدّل اسمها مع تبدّل السلطات: من حي الرافدين إلى مدينة الثورة، ثم مدينة صدام، وصولاً إلى مدينة الصدر. كانت السياسة تغيّر اللافتة، لكن الناس ظلوا يحملون مدينتهم في ذاكرتهم باسمها الأول، أو بالاسم الذي يختصر علاقتهم الحميمة بها: «المدينة».
وأنا أقرأ فصل الأسماء الأربعة، عادت بي الذاكرة إلى عام 1983، حين كنت في المسرح الوطني لمشاهدة مسرحية «البيارق». دخل صدام حسين قاعة المسرح على نحو مفاجئ، فأطلقت إحدى المجاميع الراقصة على الخشبة هتافاً ما زال عالقاً في ذاكرتي:
«باسم صدام، سمّينا مدينتنا».
كانت تلك العبارة تختصر قدرة السلطة على الاستيلاء على أسماء الأمكنة. غير أن السلطة تستطيع تبديل الاسم على اللافتة، لكنها لا تستطيع بسهولة محو الاسم الذي يسكن ذاكرة الناس. وطوال قراءتي الفصل الخاص بتخطيط مدينة الثورة وبنائها في عهد عبد الكريم قاسم، كان يعود إليّ حواري مع عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا البروفيسور سامي زبيدة. فقد أخبرني أن والده كان أحد المقاولين الذين أُسندت إليهم أعمال بناء المدينة في ستينيات القرن العشرين، وأنه عمل بالشراكة مع مقاول مسلم؛ إذ لم تكن الضوابط آنذاك، بحسب ما رواه لي، تتيح لليهودي العراقي العمل بصورة مستقلة ومباشرة في التجارة أو المقاولات، إلا من خلال شراكة مع مسلم أو مسيحي.
والمفارقة المؤلمة أن أبناء مدينة الثورة لا يعرفون أن بين الأيدي التي أسهمت في بناء مدينتهم يداً عراقية يهودية، ولا أظن أن إيهاب شغيدل نفسه كان يعرف هذه الحقيقة حين كتب الفصل الخاص بتأسيس المدينة وتصميمها.
ولا أذكر ذلك مأخذاً على الكاتب، بل دليلاً آخر على مقدار ما طُمر من تاريخ العراق، وعلى أهمية التاريخ الشفاهي الذي يقوم عليه كتابه. فكم من عراقي أسهم في بناء بيت أو شارع أو مدرسة أو مؤسسة، ثم اختفى اسمه من الذاكرة العامة بسبب هويته أو دينه أو ما تعرض له من إقصاء واضطهاد؟
لقد غابت أسماء كثيرة من يهود العراق عن تاريخ المدن والمؤسسات التي أسهموا في بنائها، كما لو أن الجدران شُيدت وحدها، وكأن المدن لم تحمل يوماً آثار أيديهم وخبراتهم وأحلامهم. وربما تكون هذه الحكاية واحدة من الخرزات التي يمكن أن تضاف يوماً إلى مسبحة مدينة الثورة: أن واحداً من الذين بنوها كان يهودياً عراقياً، وأن جزءاً من تاريخها العمراني يتصل بتاريخ جماعة أُبعدت عن العراق، ثم أُبعد