الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نظرة عامة بشأن الذكاء الإصطناعي السياسي

بواسطة azzaman

نظرة عامة بشأن الذكاء الإصطناعي السياسي

شيرزاد النجار

 

نحن بحاجة إلى خطة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. ويمكننا القول أيضاً: نحن بحاجة إلى سياسة؛ سياسة تعمل وفق المستوى الذي تفرضه التكنولوجيا. نحن بحاجة إلى سياسة جديدة.

بيل غيتس

(I)

في ظل التطورات التكنولوجية وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي تكتسب القضايا السياسية التي تهم المواطنين -مثل الديمقراطية، حقوق الانسان، كرامة الانسان، العنصرية وتغير المناخ المشاركة السياسية- طابعاً ملحاً ومعاني جديدة.

ويُعد الكتاب الذي أصدره عام 2022 البروفيسور النمساوي

مارك كوكلبيرك Mark Coeckelbergh أستاذ فلسفة الإعلام والتكنولوجيا بجامعة فيينا بعنوان

The Political Philosophy of AI: An Introduction, Polity Press,2022

حول الترابط بين السياسة والذكاء الاصطناعي من أوائل الكتب التي تبحث في تلك التطورات وصدر في وقت فيه اختار «قاموس كولينز» (Collins Dictionary) مصطلح «الذكاء الاصطناعي» (AI) ليكون كلمة العام في 2023

مما يعكس ضرورة النقاش حولها.

(II)

الإشادة بالكتاب

هنريك سكاوغ سيترا (جامعة أوستفولد) يكتب حول الكتاب: «تخصصات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والفلسفة السياسية تركز على قضايا متشابهة، لكن نادراً ما نرى التاريخ الغني للتخصص الأخير يُستخدم لفهم سياسات الذكاء الاصطناعي. كوكلبيرك يقدّم استثناءً مرحّباً به».

وفي رأي كيت كروفورد (مؤلفة Atlas of AI): «الذكاء الاصطناعي سياسي في جوهره، وهذا الكتاب يوضّح لماذا يمتد عبر النقاشات حول عدم المساواة والديمقراطية والسلطة وما بعد الإنسانية».

ويرى سكوت مكليمي (Inside Higher Ed): «التركيز الحقيقي لـ مارك كوكلبيرك هو إظهار أن آلاف السنين من الفكر الفلسفي لن تصبح تلقائياً عتيقة بفعل إنجازات الهندسة الرقمية».

شركة أمازون الناشرة للكتاب كتبت بأنه أول مقدمة مُيسَّرة تتناول التحديات السياسية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وكيف تتأثر قضايا سياسية شتى بتقنيات الذكاء الاصطناعي الناشئة؛ بدءاً من قضايا العدالة والتمييز ووصولاً إلى الديمقراطية والمراقبة. وأن الكتاب يوضح الطبيعة السياسية المتأصلة في التكنولوجيا، مقدماً في الوقت ذاته «عدة أدوات» مفاهيمية غنية يمكنها توجيه الجهود الرامية للتعامل مع التحديات التي يفرضها ويبين الكتاب أن «الذكاء الاصطناعي» هو ليس شيئاً مجرداً، بل هو «قوة اصطناعية» أيضاً تثير اهتمام الباحثين وصناع السياسات في مجالي فلسفة التكنولوجيا والفلسفة السياسية.

 جامعة ميامي الامريكية في استعراضها للكتاب كتبت ما يأتي: أنه وعلى الرغم من الاهتمام المتزايد بالقضايا الأخلاقية التي يثيرها الذكاء الاصطناعي، إلا أن هناك ندرة في الأعمال الفلسفية التي تتناول أبعاد الذكاء الاصطناعي السياسية.

 وجاء في موقع (Polity للتفكير الحر The home of independent thinking) التأكيد على ان الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات يوفر فرصاً مثيرة للاهتمام، ولكنهما يثيران أيضاً مخاوف عديدة؛ وعادةً ما تُصنَّف هذه المخاوف كقضايا أخلاقية. وتُعد أخلاقيات الذكاء الاصطناعي مجالاً متنامياً في الأوساط الأكاديمية وخارجها، وتحظى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي باهتمام كبير وتتكاثر المقالات حول هذا الموضوع بسرعة، ولذلك، باتت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي حاضرة في كل مكان.

ولكن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على مجال الاخلاقيات فقط، بل له كذلك أبعاداً سياسية ويؤثر بشكل كبير على القيم السياسية والمجتمع ككل.

عليه يُعد الذكاء الاصطناعي شأناً سياسياً لأنه قد يمس حريتنا؛ سواء بشكل مباشر من خلال المساهمة في أنظمة استبدادية، أو بشكل غير مباشر عبر تمكين أشكال جديدة من التلاعب والتأثير. وهو سياسي أيضاً لقدرته في التاثيرعلى الديمقراطية -وهو بذلك سياسي- من خلال خلق «غرف الصدى» (echo chambers) التي هي بيئة لا يسمع فيها الأشخاص أو يرون إلا المعلومات والآراء التي تتوافق مع معتقداتهم الخاصة

يوظف كتاب بروفيسور مارك كوكلبيرك الفلسفة السياسية لاستعراض مفاهيم ونقاشات فلسفية جوهرية، ويربط بين النقاشات المعاصرة حول سياسات الذكاء الاصطناعي والنظريات المستمدة من الفلسفة السياسية؛ فعلى سبيل المثال، تُربط النقاشات حول الذكاء الاصطناعي والعنصرية بنظريات المساواة والعدالة، وتُربط قضايا الجدل حول وسائل التواصل الاجتماعي بمناقشات فلسفية حول الديمقراطية، كما تُوضع العلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي في سياق تساؤلات أوسع حول علاقتنا بالطبيعة غير البشرية ومستقبل الكوكب.

(III)

محتويات الكتاب

ويبدأ بروفيسور مارك كوكلبيرك كتابه بالقول إن هناك حاجة ملحّة لمنظور سياسي- فلسفي يتناول السلطة والعدالة والبنية المجتمعية، وينطلق من أطروحة أساسية: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة محايدة، بل هو «تقنية سياسية» (political technology). بمعنى أنه يعيد تشكيل المفاهيم السياسية الأساسية (الحرية، المساواة، الديمقراطية، السلطة) ويوزّع النفوذ بطرق لها عواقب سياسية مقصودة وغير مقصودة.

ولهذا فان المفهوم الجوهري له هو ان: «الذكاء الاصطناعي هو ذكاء اصطناعي، لكنه أيضاً سلطة اصطناعية (artificial power)». وهذا يعني أن التقنية نفسها هي فعل سياسي، وليست مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.

بروفيسور مارك كوكلبيرك يضع الإطار النظري لكتابه بالشكل الآتي:

لماذا نحتاج فلسفة سياسية للذكاء الاصطناعي؟

ويشرح أن الأسئلة السياسية (العدالة، السلطة، الديمقراطية) أصبحت أكثر إلحاحاً في ضوء التطورات التكنولوجية. يقدّم مفهوم «التكنولوجيا السياسية» و»الرأسمالية التقنية» كإطارين للتحليل.

رُتِّبت محتويات الكتاب وفقاً لمبادئ وقيم سياسية كبرى: الحرية، والمساواة والعدالة، والديمقراطية، والسلطة، والبيئة، ويحاول الكتاب أن يوضح هذه المفاهيم في ظل وجود الذكاء الاصطناعي؛ إذ يطرح تساؤلات مثل:

•أي نوع من الحرية نمتلكه حين نكون عرضة للتلاعب من قِبَل شركات ذات نفوذ هائل؟

•ما هي دلالات العدالة والإنصاف الكامنة في النقاشات الدائرة حول التمييز الذي يمارسه الذكاء الاصطناعي أو الذي يحدث من خلاله؟

• وإذا كنا ننتقد «فقاعات المعلومات» و»غرف الصدى» التي تفسد نظامنا السياسي، فأي نوع من الديمقراطية نبتغي؟

•هل يمكن للذكاء الاصطناعي تمكين الناس، أم أنه يدعم أشكالاً من الاستعمار الجديد؟

•وهل نريد ذكاءً اصطناعياً يتمحور حول الإنسان، أم أن الكيانات غير البشرية لها اعتبار سياسي أيضاً؟

بروفيسور مارك كوكلبيرك يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يُصمَّم دائماً بهدف إحداث نتائج سياسية؛ التي تحدث أحياناً، كما هو الحال في حالات التلاعب بسلوك الناخبين عبر الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن يُعد الذكاء الاصطناعي -أو يمكن أن يكون- أداة سياسية. غير أن الآثار والنتائج السياسية له تكون غالباً غير مقصودة، ومع ذلك فهي بارزة ومؤثرة.

يضيف بروفيسور مارك كوكلبيرك أنه وبصفته متخصصاً في التكنولوجيا والإعلام، فإنه يهتم بصورة خاصة بنوع خاص من «الذكاء الاصطناعي السياسي»، إذ يحاول أن يستكشف كيف تكتسب القيم والمبادئ السياسية -كالحرية والعدالة والديمقراطية- أشكالاً جديدة في ظل وجود الذكاء الاصطناعي، وبالتالي يوضح أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات المرتبطة به ليست مجرد أدوات ووسائل، بل إنها تدعونا إلى مساءلة تلك المفاهيم السياسية ذاتها. فالذكاء الاصطناعي، شأنه شأن التقنيات ووسائل الإعلام الأخرى، لا يكتفي بتغيير العالم، بل يغير أيضاً طريقتنا في إدراك العالم والتفكير فيه.

تقنيات سياسية

وبدلاً من الإبقاء على فجوة تفصل بين الأسئلة المتعلقة بالتكنولوجيا وتلك المتعلقة بالسياسة، ويقترح فكرة «التفكير المشترك» في هذه القضايا وطرح السؤال التالي:

 ما هي التقنيات السياسية التي نحتاجها إذا أردنا صياغة روايات أفضل عن أنفسنا ومجتمعاتنا وكوكبنا في القرن الحادي والعشرين؟

هذه الصورة القاتمة عن تقنية الذكاء الاصطناعي الناشئة وبأشكالها المختلفة، تبين انها تتغلغل بشكل متزايد في مجتمعاتنا وتؤثر على حياتنا الجماعية أو الفردية. ومن السذاجة اعتبار تقنيات الذكاء الاصطناعي، أداة محايدة سياسياً في حد ذاتها.

وقد تؤثر تقنيات التزييف العميق (deepfakes) على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في نتائج الانتخابات الديمقراطية. ومن ثم، فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي ينطوي -من منظور اجتماعي- على مخاطر كبيرة مصاحبة له؛ ومع ذلك، ثمة فرص مهمة أيضاً. فكيف يمكننا تقييم تأثيرات تقنيات الذكاء الاصطناعي على قيمنا، وكيف نتعامل مع نتائج هذا التقييم؟

يرى بروفيسور مارك كوكلبيرك أننا بحاجة إلى وضوح بشأن مفاهيم ذات طابع سياسي جوهري -مثل الحرية والديمقراطية والعدالة- للإجابة بشكل وافٍ عن هذه الأسئلة. فماذا نعني عندما نقول إن قراراً اتُخذ استناداً إلى الذكاء الاصطناعي قد انطوى على تمييز عنصري؟

الفلسفة السياسية تتناول هذه المفاهيم من منظور نظري وقيمي، ويمكنها المساعدة في توضيح مخاوفنا وتوقعاتنا، ووضعها في سياق منظومتنا المعتقدية، وتقييم مدى قوتها ووجاهتها.

بشكل عام، ينجح بروفيسور مارك كوكلبيرك في تقديم لمحة شاملة عن أمور مهمة منها مناقشات الفلسفة السياسية للتأمل في الذكاء الاصطناعي وذاك في فصول الكتاب المتنوعة: قضايا تتعلق بالعدالة (الفصل 3)، والديمقراطية (الفصل 4)، والسلطة (الفصل 5)، والتحديات التي تواجه «المركزية البشرية» في ضوء نظريات ما بعد الإنسانية (post-humanism) وما وراء الإنسانية (transhumanism) (الفصل 6).

وكذلك يبرز تنوعاً كبيراً من المقاربات النظرية تشمل أفكار مفكرين مثل هيغل وماركس وأرندت وفوكو، وأنواعاً مختلفة من الليبرالية، والنظرية النقدية، ونظريات الديمقراطية الراديكالية، فضلاً عن المقاربات القائمة على الهوية وما بعد الاستعمار.

أن الكتاب يميل إلى التركيز على مخاطر الذكاء الاصطناعي، وان التأمل في التكنولوجيا والهندسة يحتاج إلى مزيد من الفلسفة السياسية - والعكس صحيح يختتم بروفيسور مارك كوكلبيرك (في الفصل السابع) بطرح فكرة مثيرة للنقاش، مفادها أن «الفلسفة السياسية في القرن الحادي والعشرين لم يعد بالإمكان - ولا ينبغي - ممارستها دون الاستجابة للسؤال المتعلق بالتكنولوجيا». 

يُعد كتاب بروفيسور مارك كوكلبيرك مقدمة بالغة الأهمية حول كيفية الربط بين الفلسفة السياسية والمجالات والتخصصات المعنية بالتأمل في التكنولوجيا.

وكما يؤكد كوكلبيرك، لا يمكن ببساطة تطبيق الفلسفة السياسية على التكنولوجيا والهندسة؛ إذ إن اعتبار الأنظمة الاجتماعية-التقنية أجزاء ً جوهرية من الهيكل الأساسي للمجتمع سيدفعنا إلى إعادة التفكير في النظريات الراسخة وتفسيرها، مثل نظرية «الليبرالية السياسية» لـ جون رولز ومن ثم، فإن العمل على الدفاع عن موقف نظري عند نقطة التقاطع هذه يمثل خطوة تالية ضرورية.


مشاهدات 33
الكاتب شيرزاد النجار
أضيف 2026/09/23 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/09/23 - 11:52 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1861 الشهر 40282 الكلي 16572802
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير