هاشتاك الناس
إرحموا أحياءكم
ياس خضير البياتي
لم أكن ذاهبًا إلى أربيل بحثًا عن قصة.
كنت ذاهبًا إلى أحد مستشفياتها، لزيارة صديق مريض ، وأبحث عن شيء من الطمأنينة. لكن في المستشفى، حيث تتشابه الوجوه حين يثقلها الوجع، التقيت رجلًا اسمه أبو ياسر. جلسنا نتحدث، فعرفت أنه لواء سابق في الجيش العراقي. تحدث عن الجيش والكلية العسكرية وسنوات الخدمة، وكأنه يتحدث عن عمرٍ ترك شيئًا منه هناك.
ثم قال لي جملةً ثقيلة: منذ عام 2003 لم أتقاضَ حقوقي التقاعدية.
لم يكن يتحدث بغضب، بقدر ما كان يتحدث بحزن رجلٍ طال انتظاره حتى صار الانتظار جزءًا من حياته. قال إن نقله في مرحلة سابقة إلى مركز تابع لفدائيي صدام كان بأمر عسكري، وإنه لم يكن صاحب القرار. وبعد 2003 بقي ملفه معلقًا، وبقي معه مستقبل عائلة كاملة معلّقًا.
أبناء كبروا، ودراسة، وبيوت، وحاجات، وأعوام تمضي... والدولة ما زالت تقرأ ملفًا قديمًا، بينما الحياة لا تنتظر أحدًا.
لكن أكثر ما آلمني لم يكن حرمان الرجل من حقوقه وحده، بل حين حدثني عن أولاده. قال إن بعضهم لم يتمكن من الحصول على فرص عمل، لأن اسم أبيهم سبقهم. تأملت وجهه، وشعرت أن السؤال لم يعد عن لواء سابق، ولا عن نظام سابق، ولا عن سياسة مضت.
كان السؤال أبسط وأشد وجعًا: لماذا يُعاقَب أولادي على شيء لم يفعلوه؟
وهنا لا أتحدث عن تبرئة أحد، ولا عن محو جرائم الماضي، ولا عن إنكار حقوق الضحايا. من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب عليها وفق القانون. لكن العدالة ليست أن يرث الابن ذنب أبيه.
فالذنب لا ينتقل بالدم، والعدالة لا تكون جماعية.
قد تكون في ملف أبي ياسر تفاصيل لا أعرفها، وقد تكون هناك أسباب قانونية لم أطلع عليها، ولذلك لا أكتب حكمًا على الرجل ولا على الدولة. لكنني أكتب عن آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر جوابًا واضحًا، وعن أبناء وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن أسماء لم يختاروها، وتاريخ لم يصنعوه.
الدولة العادلة لا تسأل الإنسان: من كان أبوك؟بل تسأله:ماذا فعلت أنت؟ وما حقك؟فإن أجرم الأب، حوسب الأب. وإن لم يثبت على الابن شيء، فلا ينبغي أن يتحول اسم أبيه إلى حكمٍ مؤبد يطارده في رزقه ومستقبله.
العراق لا يحتاج إلى نسيان الماضي، بل إلى قراءته بعدل. لا يحتاج إلى الانتقام، بل إلى قانونٍ لا يفرق بين اسم واسم، ولا بين طائفة وأخرى.فوراء كل ملفٍ قديم عائلة، ووراء كل راتبٍ متوقف مائدة، ووراء كل فرصة عملٍ ضائعة شاب يسأل عن ذنبه.
وأبو ياسر ليس وحده. ربما هناك آلاف مثله، يحملون ملفاتهم بصمت، ويكبر أبناؤهم وهم لا يعرفون لماذا أُغلقت الأبواب في وجوههم.
غادرت أبا ياسر والمستشفى، وأنا أحمل حزنًا أثقل من مرض صديقي.
كان الطريق من أمامي، لكنني شعرت أنني لا أغادر مستشفى فحسب، بل أغادر حكاية بلدٍ ما زال عقله صغيرًا أمام جرحٍ كبير؛ بلدٍ لم يتعلم بعد أن يفرق بين العدالة والثأر، وبين المسؤولية والقرابة، وبين محاسبة المذنب ومعاقبة البريء.
أعرف أن كثيرًا مما يكتبه الكتّاب لا يصل إلى أصحاب القرار، لكنني أتمنى من المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، وبالذات من زميلنا الأستاذ عبد الزهرة الهنداوي، أن يعرض قضية أبي ياسر، لا لأنها قضية رجل واحد، بل لأنها قضية عراقي، وربما تمثل معاناة آلاف العوائل التي تنتظر العدالة والإنصاف.
ولعل أجمل ما يستطيع رئيس الحكومة أن يفعله في مثل هذه الملفات أن يكون فعلًا أبًا لكل العراقيين... لا يسأل الابن: من كان أبوك؟ بل يسأل: ما حقك؟
وفي الطريق، ظل سؤال أبي ياسر يرافقني كأنه لم يكن سؤال رجلٍ واحد، بل سؤال وطن بأكمله:
لماذا يُعاقَب أولادي على شيء لم يفعلوه؟
ولم أجد له جوابًا...
سوى أنني تمنيت، وأنا أعود مثقلًا بالقصة الحزينة، أن يأتي يومٌ يصبح فيه القانون هو الأب الوحيد لكل العراقيين؛ فلا يرث الابن ذنب أبيه، ولا تُدفن حقوق الإنسان في ملفٍ قديم، ولا يكون اسم العائلة تهمة.
فالوطن الذي لا يحمي أبناءه من أخطاء لم يرتكبوها، سيظل يحمل ماضيه على ظهره... حتى وهو يحاول أن يمضي إلى المستقبل.
ارحموا أحياءكم بالعدل والتسامح؛ أنصفوا الإنسان وهو حيّ، قبل أن تتحوّل حقوقه إلى مرثيةٍ لوطنٍ لا يليق به الظلم.
yaaas@hotmail.com