لا ينقصنا التاريخ… ينقصنا أن نصنع المستقبل
راجي العوادي
هناك لحظة يصبح فيها السؤال عن أسباب التأخر أكثر إلحاحًا من الاحتفال بما أنجزناه في الماضي, نحن شعوب لم تولد لتكون مستهلكة، ولم يُكتب علينا أن نقف طويلًا على هامش التاريخ بانتظار ما ينتجه الآخرون, في ذاكرتنا حضارات عرفت الكتابة والحساب والطب والهندسة ، وشيدت المدن، وفتحت أبوابًا للمعرفة ما زال العالم يقرأ آثارها حتى اليوم, لكن المشكلة أن التاريخ ، مهما كان عظيمًا ، لا يستطيع أن ينتج حاضرًا بالنيابة عنا ,فالحضارة ليست إرثًا نعلّقه على الجدار، ولا مجدًا نستحضره كلما أردنا إثبات أننا كنا عظماء, الحضارة فعلٌ مستمر. والسؤال الأكثر إيلامًا اليوم ليس: ماذا صنع أجدادنا ؟ بل ماذا نصنع نحن ؟ حين أصبحنا مستهلكين لماذا لا نصنع , لم تبدأ أزمتنا في يوم واحد ، ولم يكن هناك قرار واحد نقلنا من موقع الفاعل إلى موقع المستهلك, إنها عملية طويلة تسللت إلى تفاصيل حياتنا حتى بدت طبيعية. في البداية استوردنا السلع , ثم استوردنا الآلات, ثم استوردنا المعرفة الجاهزة . ثم أصبحنا نستورد حتى الطريقة التي نفكر بها في مشكلاتنا , وهنا تكمن المشكلة الحقيقية, فليس العيب أن تستورد دولة سلعة أو تقنية لا تنتجها ؛ فالاستيراد جزء طبيعي من الاقتصاد العالمي. العيب أن يتحول الاستيراد من وسيلة إلى نمط حياة، ومن خيار اقتصادي إلى عجز دائم عن بناء القدرة الذاتية.
أن تحتاج إلى الآخرين في بعض الأشياء أمر طبيعي,أما أن تحتاج إليهم في كل شيء تقريبًا، ثم تتعامل مع هذا الاعتماد باعتباره قدرًا لا يمكن تغييره، فهنا تبدأ التبعية, نحن لا نتحدث فقط عن الهاتف الذي نحمله ، أو السيارة التي نقودها ، أو الدواء الذي نستخدمه ,نحن نتحدث عن سؤال أعمق: كم من الأشياء التي تقوم عليها حياتنا نستطيع أن نصنعها بأنفسنا؟ وكم من الأفكار التي نستخدمها في تفسير عالمنا جاءت من عقولنا ، وكم منها وصلتنا جاهزة؟
أخطر أنواع التبعية ليست اقتصادية
قد تستطيع دولة أن تشتري أحدث المعدات ، وتبني أطول الأبراج ، وتملأ أسواقها بالبضائع المستوردة ، ومع ذلك تظل ضعيفة.لأن القوة لا تقاس بما تستطيع شراءه فقط، وإنما بما تستطيع إنتاجه وفهمه وتطويره وحمايته.
الاستقلال السياسي من دون استقلال معرفي واقتصادي يظل استقلالًا ناقصًا.
فالدولة التي لا تنتج غذاءها بصورة كافية، ولا تمتلك قاعدة صناعية حقيقية ، ولا تستثمر في البحث العلمي ، ولا تصنع تقنيتها، ولا تملك مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة ، ستظل مكشوفة أمام الأزمات مهما رفعت من شعارات السيادة.
لقد تغير شكل الاحتلال في العالم الحديث.
لم يعد من الضروري أن يأتي جيش أجنبي ليحتل الأرض.يكفي أحيانًا أن تصبح عاجزًا عن الاستغناء عن من يملك الغذاء والدواء والتقنية والطاقة والمعرفة.
والأكثر خطورة أن يصل الإنسان إلى مرحلة يقتنع فيها بأن العجز طبيعي ، وأن الآخرين خُلقوا ليصنعوا ونحن خُلقنا لنشتري.عندها لا تعود المشكلة في الخارج فقط.تنتقل المشكلة إلى داخلنا.
حين يتحول التعليم إلى مصنع للذاكرة
ربما لا يوجد مكان تظهر فيه أزمتنا بوضوح أكثر من المدرسة والجامعة.
نحن نطلب من الطالب أن يحفظ ، ثم نندهش عندما لا يستطيع أن يبتكر.
نعلمه الإجابة قبل أن نعلمه كيف يصوغ السؤال ,نقيس نجاحه بقدرته على استرجاع المعلومات ، ثم نلومه عندما يعجز عن استخدامها لحل مشكلة حقيقية.
التعليم الذي لا يعلّم الإنسان كيف يفكر، وكيف يشك ، وكيف يبحث ، وكيف يختبر الفكرة ، وكيف يعترف بالخطأ ويصححه، لا يصنع عقلًا مستقلًا؛ إنه يصنع ذاكرة جيدة فحسب ,والأمم لا تنهض بكثرة الحافظين,تنهض بكثرة الباحثين والمهندسين والمخترعين والمعلمين والأطباء والمزارعين والحرفيين ورواد الأعمال وصناع القرار الذين يستطيعون تحويل المعرفة إلى قيمة.
نحن بحاجة إلى تغيير السؤال الذي نوجهه إلى أبنائنا, بدل أن نسأل فقط: كم حصلت في الامتحان؟ علينا أن نسأل: ما المشكلة التي تستطيع حلها؟ ماذا صنعت؟ ماذا اكتشفت؟ ما الفكرة التي اختبرتها؟ كيف يمكن أن تجعل شيئًا في مجتمعك أفضل؟ فالمجتمع الذي يريد مستقبلًا مختلفًا لا يستطيع أن يبني تعليمًا يشبه الماضي ثم ينتظر نتائج تشبه المستقبل.
من أزمة الإنتاج إلى أزمة الأخلاق
الإنتاج ليس قضية مصانع وآلات فقط, إنه في جوهره قضية أخلاق , العامل الذي يحترم وقته ، والمهندس الذي لا يغش في المواصفات ، والطبيب الذي يتعامل مع مهنته باعتبارها مسؤولية ، والمعلم الذي يؤدي عمله بإتقان، والموظف الذي لا يحوّل موقعه إلى وسيلة للابتزاز، والتاجر الذي لا يخدع زبونه؛ كل هؤلاء يمارسون فعلًا حضاريًا واحدًا: إنتاج الثقة, لا يمكن بناء اقتصاد قوي في مجتمع تنهار فيه الثقة, ولا يمكن بناء مؤسسة عظيمة إذا كان الموظف يبحث عن أقصر طريق لإنجاز أقل قدر ممكن من العمل, ولا يمكن أن نتحدث عن نهضة ونحن نحتقر المهن اليدوية ، ونرفع قيمة المظهر الاجتماعي فوق قيمة الكفاءة، ونريد نتائج عالمية بعقلية تقبل الرداءة, الإتقان ليس ترفًا.الإتقان موقف أخلاقي.
والمجتمع الذي يتسامح مع العمل الرديء اليوم ، سيدفع ثمنه غدًا في صورة طرق تنهار، ومبانٍ تتصدع، ومؤسسات تفشل، وخدمات تتراجع، وأموال تهدر، وأجيال تفقد ثقتها بالمستقبل.
مشكلتنا ليست أننا لا نملك المواهب
من السهل أن نقول إن المشكلة في غياب العقول .لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
في كثير من مجتمعاتنا هناك عقول لامعة، وشباب يمتلكون طاقة كبيرة، وأصحاب مهارات ، وأطباء ومهندسون وباحثون ومبرمجون وحرفيون ورجال أعمال قادرون على الإنجاز ,لكن الموهبة الفردية لا تكفي ,العقل المبدع يحتاج إلى مدرسة جيدة, والباحث يحتاج إلى مختبر, والمخترع يحتاج إلى تمويل, والشركة تحتاج إلى قانون عادل.والمستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة, والموظف الكفء يحتاج إلى مؤسسة تكافئ الكفاءة لا العلاقات.ولهذا فإن اختزال المشكلة في كسل الناس ظلم، كما أن اختزالها في "فساد المؤسسات" وحده تبسيط.
المشكلة في المنظومة ,حين تكون المنظومة مصممة بطريقة تجعل المجتهد يشعر أن جهده لا يساوي شيئًا، والفاشل قادرًا على الوصول ، والمبدع مضطرًا إلى الهجرة كي يجد البيئة المناسبة، فإن المجتمع يخسر شيئًا أثمن من المال: يخسر مستقبله البشري.
لماذا نقدس المظهر؟
ومن أكثر المفارقات إيلامًا أننا أحيانًا ننفق طاقة هائلة على تحسين الصورة، بينما نهمل بناء الجوهر, نهتم بالواجهة أكثر من الأساس.بالشكل أكثر من الوظيفة.
بالاحتفال بالإنجاز أكثر من صناعة الإنجاز, قد نفتخر بمبنى جديد ، لكن لا نسأل بما يكفي عن نوع التعليم الذي سيجري داخله.نحتفي بتقنية حديثة ، لكن لا نسأل من صممها ومن يملك المعرفة التي تقف خلفها.نفرح بارتفاع الاستهلاك ، وننسى أن الاستهلاك المرتفع لا يعني بالضرورة اقتصادًا قويًا, يمكنك أن تمتلك هاتفًا متطورًا جدًا دون أن تنتج هاتفًا واحدًا.ويمكنك أن تقود سيارة فاخرة دون أن تصنع قطعة واحدة من مكوناتها, ويمكنك أن تستخدم الذكاء الاصطناعي كل يوم دون أن تمتلك شركة واحدة قادرة على تطوير نموذج منافس.الفارق بين الحضارة والاستهلاك هو أن الحضارة تضيف شيئًا إلى العالم, أما الاستهلاك فيكتفي بأخذ ما أنتجه الآخرون.
والتكنولوجيا, فرصة أخيرة أم طبقة جديدة من التبعية؟ نقف اليوم أمام تحول تكنولوجي هائل, الذكاء الاصطناعي ، والروبوتات ، والتقنيات الحيوية ، والطاقة الجديدة ، والحوسبة المتقدمة، كلها تعيد تشكيل الاقتصاد والعمل والتعليم ,وهنا أمامنا طريقان, إما أن نكون مستخدمين لهذه الثورة فقط، فنشتري أدواتها ونستهلك خدماتها وننتظر الشركات الأخرى لتقرر مستقبلها , وإما أن ندخلها باعتبارها فرصة تاريخية لبناء قدرة جديدة لا أحد يطلب أن نصنع كل شيء ولا توجد دولة حديثة تستطيع الاستغناء عن العالم.
اكاديمي وكاتب مستقل