الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يتحوّل الألمُ إلى تهمة في نقد ثقافة التشخيص المفرط

بواسطة azzaman

حين يتحوّل الألمُ إلى تهمة في نقد ثقافة التشخيص المفرط

زينب طارق

 

ثمة مفارقة تستحق التأمل: كلما تعمّق وعينا بالمصطلحات النفسية، ازددنا هشاشة لا صلابة. هذا ليس تناقضاً عابراً، بل عرَض لمرض أعمق أصاب علاقتنا بذواتنا؛ مرض تحويل التجربة الإنسانية العادية، بكل ما فيها من حزن وملل وارتباك، إلى تهمة سريرية تستوجب تشخيصاً وعلاجاً.

حين يصبح الازدهار عبئاً

حين دشّن مارتن سليجمان مشروع "علم النفس الإيجابي"، بدا الأمر بشرى: أخيراً، علمٌ يهتم بالازدهار لا بالمرض وحده. لكن كل معيار مرتفع يخلق، بالضرورة، مسافة شاسعة بين الواقع والمثال؛ فحين يُرفع سقف "الحالة الطبيعية" إلى حدّ السعادة الدائمة، يتحول أي انحراف بسيط عنها إلى عيب يستدعي تدخلاً. والمفارقة الأعمق أن سليجمان نفسه، قبل أن يؤسس علم النفس الإيجابي، كان صاحب نظرية "العجز المكتسب" (Learned Helplessness)، التي أثبتت تجريبياً أن الكائن الذي يتكرر تعرّضه لموقف يظن نفسه عاجزاً فيه عن التغيير، يتوقف في النهاية عن المحاولة أصلاً، حتى حين تُتاح له فرصة حقيقية للتحكم. وها هي المفارقة: الحقل الذي أراد أن يحرر الإنسان من العجز، أنتج، عبر تطرفه في التشخيص، الآلية ذاتها التي حذّر منها مؤسسه الأول.

التشخيص كنبوءة تتحقق بذاتها

الأخطر من ذلك أن التسمية السريرية تُغري بالاستسلام لها. حين يُوصَف ارتباك مراهق أمام أقرانه بـ"رهاب اجتماعي"، أو يُختزل تشتته العابر في "اضطراب نقص انتباه"، فإن ما يحدث ليس تشخيصاً محايداً، بل تفعيل لما سمّاه عالم الاجتماع روبرت ميرتون قبل عقود "النبوءة المتحققة ذاتياً" (Self-Fulfilling Prophecy): حين يُصدَّق تعريفٌ خاطئ أو مبالغ فيه عن موقف ما، يتصرف الناس بناءً عليه، فيُنتجون بسلوكهم الحقيقة التي افترضها ذلك التعريف الزائف من الأساس. الفرد الذي يُشخَّص يبدأ، دون وعي، بمواءمة سلوكه مع تسميته، متخلياً عن أي محاولة للمقاومة، لأن التسمية نفسها منحته عذراً مريحاً عن الفعل.

إرينريتش في مواجهة سليجمان

هنا بالضبط تقف باربرا إرينريتش، في كتابها "ابتسم أو مُت"، على الطرف النقيض من مشروع سليجمان الإيجابي. لا تُنكر إرينريتش وجود المعاناة، بل تفكك وهم القدرة على استئصالها بالإيجابية القسرية أو التصنيف الطبي المفرط. فحين يُصادَر الحزن الطبيعي لصالح خطاب يوجب السعادة الدائمة، لا يُنتَج إنسان أكثر عافية، بل وعيٌ زائف يحرم صاحبه من أدواته الحقيقية في مواجهة تعقيدات العيش.

نحو مناعة لا تُشترى بالتسمية

الصلابة النفسية، في جوهرها، لا تُبنى بالاحتماء من الصعوبات، بل بالاحتكاك المباشر بها. فكما لا يبني الجسد مناعته إلا بمواجهة ما يهدده، لا تبني النفس مرونتها إلا بعبور تجاربها الصعبة دون وسيط جاهز يفسّرها لها مسبقاً. حين نستبدل هذا العبور الضروري بتسمية سريعة، فإننا لا نشفي الإنسان، بل نُعفيه، كما أثبت العجز المكتسب قبل نصف قرن، من فرصة أن يكتشف قدرته على الشفاء بنفسه.

يبقى السؤال الأعمق معلّقاً: هل نريد إنساناً خالياً من الألم، أم إنساناً قادراً على حمله؟ فالفارق بين الخيارين هو الفارق نفسه بين وعي هشّ يبحث عن تسمية لكل انزعاج، ووعي ناضج يعرف أن بعض الألم لا يُشخَّص، بل يُعاش.

 


مشاهدات 36
الكاتب زينب طارق
أضيف 2026/09/16 - 2:56 PM
آخر تحديث 2026/09/19 - 12:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 41 الشهر 31289 الكلي 16563809
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير