الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دعوا السفينة وقبطانها يسيرانِ في مرساهما

بواسطة azzaman

دعوا السفينة وقبطانها يسيرانِ في مرساهما

 محمد خضيرِ الأنباريِ

 

    في ظلِ منطقةٍ مضطربةٍ تتقاطعُ فيها المصالحُ الدوليةُ والإقليمية، تبرزُ الحاجةُ إلى سياسةٍ عراقيةٍ هادئةٍ ومتوازنة، تحافظُ على سيادةِ العراقِ واستقلالِ قراره، وتمنعُ تحوله إلى ساحةٍ لتصفيةِ الصراعات، معَ بناءِ علاقاتٍ متوازنةٍ معَ مختلفِ الأطرافِ على أساسِ المصالحِ المشتركةِ والاحترامِ المتبادل. في هذا السياق، يتحركُ رئيسُ الوزراءِ عبرَ سلسلةٍ منْ الزياراتِ والاتصالاتِ الدبلوماسيةِ معَ عددٍ منْ الدولِ المؤثرةِ إقليميا ودوليا، بدءا منْ الولاياتِ المتحدةِ وتركيا وإيران، وصولاً إلى فرنسا وألمانيا.

    تهدفُ هذهِ الزيارات إلى تعزيزِ العلاقاتِ الثنائية، وفتحِ آفاقٍ جديدةٍ للتعاون، وتأسيسِ شراكاتٍ أكثرَ فاعليةً تقومُ على المصالحِ المتبادلة، بما يخدمُ مصالحِ العراق، ويعززُ حضوره ودوره في محيطهِ الإقليميِ والدولي. قالَ الله- سبحانهُ وتعالى- في كتابهِ الكريمِ (اركبوا فيها بسمِ اللهِ مجراها ومرساها إنَ ربي لغفورٍ رحيم؟ سورةُ هود) الآية 41.

     منْ هذا المنطلق، يمكنُ النظرُ إلى التحركِ الدبلوماسيِ العراقي، بوصفها محاولةً لتوسيعِ شبكةِ العلاقاتِ الدولية، وفتحَ أبوابِ التعاونِ الاقتصاديِ والأمنيِ والاستثماري، أنَ قيمةَ هذهِ التحركاتِ لا تقاسُ بعددِ الزيارات، بلْ بما تنتجهُ منْ استثماراتٍ وفرصِ عملٍ ومشاريعَ وخدماتٍ وتعزيزٍ لقدراتِ الدولة، وهنا تبرزُ مسؤوليةُ الحكومةِ في تحويلِ الانفتاحِ الخارجيِ إلى نتائجَ ملموسة، ومعالجةِ الملفاتِ التي تمسُ حياةْ المواطن، وفي مقدمتها الاقتصاد، والاعتماد على النفط، والبطالة، والخدمات، والاستثمار، ومكافحةِ الفساد.

      أما في الداخل، فإنَ بناءَ الدولةِ لا يكونُ بتعطيلِ الحكومةِ أوْ تحويلِ الخلافِ السياسيِ إلى صراعٍ دائمٍ معها، فالنقدُ والمساءلةُ حقّ وضرورة، لكنهما ينبغيانِ أنْ يكونا بهدفِ تصحيحِ المسارِ لا عرقلةَ العمل. فالحكومةُ يجبُ أنْ تعمل، والبرلمان والإعلام والمجتمع يراقبونَ ويحاسبونَ وفقَ القانون.

      يبقى ملفُ السلاحِ وحصرُ قرارِ الحربِ والسلمِ بيدِ الدولةِ منْ أكثرِ الملفاتِ حساسية، وهوَ ملفٌ يحتاجُ إلى الحكمةِ والتدرجِ والحوار، بما يحفظ هيبةُ الدولة، ويصونُ السلم الأهلي، ويمنعُ الانزلاق إلى صدامٍ داخلي، فالعراقُ لا يستطيعُ أنْ يعزلَ نفسهُ عنْ إيران أوْ تركيا أوْ الولاياتِ المتحدةِ أوْ أوروبا أوْ محيطهِ العربي، لكنهُ يستطيعُ أنْ يحافظَ على علاقاتهِ معَ الجميعِ منْ دونِ أنْ يكونَ تابعا لأحد، في عراقٌ صديقٌ للجميع، ومصلحته الوطنية فوقَ الجميع.

     إنَ المرحلةَ الراهنةَ، تتطلبُ مؤازرةً وطنيةً حقيقية، لا تعني التصفيقَ للحكومة، ولا التخليَ عنْ النقد، بلْ منحها فرصةً للعمل، ومراقبةِ النتائج، وتصحيحِ الأخطاء، ومحاسبةِ المقصر، فالقبطانُ لا يستطيعُ قيادةَ السفينةِ إذا تنازعَ الركابُ على الدفة، والسفينةُ العراقيةُ اليومَ تبحرُ في بحرٍ إقليميٍ مضطرب، تحملُ ملفات ثقيلة، لذلكَ فإنَ الحكمةَ، تقتضي أنْ نختلفَ في التفاصيل، لكنْ نتفقُ على سلامةِ السفينةِ واتجاهها.

  من هنا المطلوب، أن تدعوا الحكومة تعمل، ولكنْ لا تعرقلونَ كلَ خطوةٍ قبلَ أنْ تظهرَ نتائجها، فإذا نجحت، كانَ النجاحُ للعراق، وإذا أخفقت، فالمؤسساتُ الدستوريةُ والقانونيةُ كفيلة بمحاسبتها، فالعراقُ أكبرُ منْ الحكوماتِ والأحزابِ والأشخاص، وأبقى منْ كلِ خلافٍ سياسيٍ عابر.

     في النهاية، فإنَ العراقَ اليومَ بحاجةٍ إلى أنْ تتقدمَ فيهِ المصلحةُ الوطنيةُ على الخلافاتِ السياسية، وتتعاونَ مؤسساتهُ وقواهُ السياسية والاجتماعية منْ أجلِ حمايةِ الدولةِ وتعزيزِ استقرارها، فالمعارضةُ والنقدُ والمساءلةُ حقوقا لا غنى عنها، لكنها لا تنبغي، أنْ تتحولَ إلى تعطيلٍ لمسيرةِ الدولةِ أوْ إضعافٍ لمؤسساتها.

      إن هذهِ السفينة ملك للعراقيينَ جميعا، وسلامتها مسؤوليةْ الجميع، والقبطان مهمّ امتلكَ منْ قدرةٍ لا يستطيعُ الوصول بها إلى برِ الأمانِ إذا ظلَ الركابُ يتنازعونَ على الدفة، فلنتفقْ على أنْ يكونَ العراقُ أولا، وأنْ تكونَ سيادته ووحدته واستقراره فوقَ كلِ اعتبار، وأنْ يكونَ اختلافنا وسيلةً للبناءِ لا سببا للهدم، ولنتذكر قولَ اللهِ تعالى: ( وتعاونوا على البرِ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوانِ) سورةْ المائدة: 2.


مشاهدات 37
الكاتب  محمد خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/09/16 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/09/19 - 12:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 41 الشهر 31289 الكلي 16563809
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير