فم مفتوح .. فم مغلق
رؤية خبير للمصارف الخاصة
زيد الحلي
أثار عمود الأسبوع الماضي، الذي حمل عنوان «الوصاية على المصارف وأموال المساهمين والمودعين»، بشأن مصرف الطيف الإسلامي، اهتماماً واسعاً في صفوف مستثمري المصارف الأهلية وفي أوساط المجتمع. وهذا الاهتمام لم يكن مجرد مصادفة، بل هو انعكاس حقيقي لموضوع يمس عمق المجتمع، لأنه يتعلق بسمعة قطاع مهم، وبثمرة جهود أشخاص وثقوا بمصارف مجازة رسمياً من قبل البنك المركزي العراقي، فأودعوا أموالهم فيها، وهي حالة تضعنا أمام مسؤولية مشتركة لفهم أبعاد المشكلة والمساهمة في صياغة أطر واقعية لحلها.
ولعل رد الدكتور مظهر محمد صالح، الخبير الاقتصادي الكبير، على ما كتبناه، يصلح أن يكون بوابة مهمة للنقاش في سبل حل هذه المعضلة، لذلك وجدتُ من المفيد أن أشارك القراء رؤيته، وهنا أنشرها نصاً:
«لقد وضعتم، الأستاذ الجليل زيد الأعز، الإصبع على جراحاتٍ عميقة لا تندمل بسهولة، في سوقٍ مصرفية تعاني من مواطن خلل وفشل في كثير من مفاصلها، وفي ظل رقابةٍ نأمل أن تنهض بدورها، وتأخذ زمام المبادرة في حماية النظام المصرفي واستعادة عافيته.
ولعل الأطراف الأكثر تضرراً من تراجع أداء المصارف وتردي قواعد السلامة المصرفية لديها، تتمثل في ثلاثة أصناف جوهرية من الأصول:
أولاً: ثروة المودعين، وهي المدخرات التي تمثل جوهر الثقة بالقطاع المصرفي.
ثانياً: حقوق الملكية، ولا سيما حقوق صغار المساهمين من أبناء الطبقة الوسطى والمثقفين، الذين وضعوا مدخراتهم وثقتهم في المؤسسات المصرفية.
وثالثاً، كما تفضلتم وذكرتم، الثقة، وهي من أهم الأصول غير الملموسة، بل لعلها أخطرها وأشدها حساسية، إذ إن فقدانها لا يهدد مصرفاً بعينه فحسب، وإنما يمتد أثره إلى مجمل النظام المالي والاقتصادي.
وأتمنى، من القلب، أن يبدأ العمل الجاد بإصلاح المصارف الأهلية والحكومية على حد سواء، وفق برامج إصلاح مؤسسية واضحة، وبالاستفادة الفورية من خطط ومناهج الإصلاح التي تقدمت بها كبريات الشركات الاستشارية العالمية، بما يضع القطاع المصرفي على مسار أكثر كفاءة وشفافية وسلامة.
عشتم، وعاش قلمكم النير والبليغ، وأنتم تلامسون موضوعاً يقع عند واحدة من أهم مفترقات التطور الاقتصادي في بلادنا، وتضعون أمام الرأي العام أسئلة لا ينبغي تأجيل الإجابة عنها.
لكم خالص تقديري وصدق مودتي واحترامي. مظهر»
وبهذا الطرح الموضوعي الذي قدمه الدكتور مظهر محمد صالح، من موقع المسؤولية والخبرة، يمكن لمن بيده أمر هذا المصرف، وبقية المصارف الموضوعة تحت الوصاية، أن يستشرف منابع الحل، من أجل بيئة مصرفية سليمة، بعيدة عن مزالق التعثر والانهيار، وقادرة على إعادة الثقة إلى المودع والمساهم، فالمصرف لا يعيش بالأموال وحدها، بل يعيش، قبل ذلك وبعده، بالثقة. وشخصياً، أجد من الضروري دعوة مراقبي الحسابات والمحاسبين القانونيين المكلفين بتدقيق حسابات المصارف العراقية الخاصة إلى اجتماع مهني موسع تعقده نقابة المحاسبين والمدققين، لبلورة صيغ أكثر صراحة وحزماً في عمليات التدقيق، والتأكيد على واجب النصح المهني وعدم تقديم المبررات لأية أخطاء أو مخالفات، والإبلاغ وفق الأطر القانونية والمهنية عن المخالفات التي من شأنها التأثير في الوضعين المالي والإداري للمصرف.
فالمحاسب القانوني ليس شاهداً صامتاً على الأرقام، والتدقيق ليس توقيعاً يوضع في نهاية القوائم المالية، بل مسؤولية مهنية وقانونية وأخلاقية كبيرة، ولا سيما حين تتعلق النتائج بأموال آلاف المودعين والمساهمين ومستقبل مؤسسة مصرفية كاملة. ومن هنا، فإن من حق الرأي العام أيضاً أن يسأل عن دور الجهات التي دققت حسابات أي مصرف تظهر فيه لاحقاً مخالفات جسيمة، ومدى دقة التحذيرات والملاحظات التي سبق أن سجلتها.
ومعروف أن حالة القلق التي يعيشها المساهمون والمودعون تصاعدت بعد قرار البنك المركزي العراقي بفرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي للاستثمار والتمويل لمدة 18 شهراً، على خلفية مخالفات وُصفت بالجسيمة. وهذه الوصاية ليست الأولى، فقد سبقتها وصايات على مصارف أخرى منذ سنوات، ولم يلمس بعض مساهميها ومودعيها حتى الآن ما يبدد مخاوفهم ويطمئنهم إلى مصير حقوقهم، ومن بينها «دجلة والفرات» و»الشمال» وغيرها. إن القضية، في تقديري، لم تعد قضية مصرف واحد يوضع تحت الوصاية، ولا مساهم أو مودع ينتظر استرداد حقه، وإنما أصبحت قضية ثقة بنظام مصرفي بأكمله. والوصاية، مهما كانت ضرورية لحماية المصرف والنظام المالي، ينبغي ألا تتحول في ذهن المواطن إلى باب يدخل منه المصرف ولا يعرف المودع والمساهم متى وكيف سيخرج منه.
ولهذا فإن المطلوب، إلى جانب الإجراءات الرقابية، وضوح أكبر أمام أصحاب الحقوق: ماذا يحدث بعد فرض الوصاية؟ وما الجدول الزمني لمعالجة أوضاع المصرف؟ وما مصير أموال المودعين وحقوق المساهمين؟ ومن يتحمل مسؤولية الأخطاء التي أوصلت المؤسسة إلى هذه المرحلة؟
إن الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً، بل جزء من العلاج، لأن الأموال قد تعوض، والخسائر قد تعالج، والمصارف قد تصلح، لكن الثقة إذا انهارت يصبح ترميمها أكثر كلفة من ترميم ميزانيات المصارف نفسها.
وهنا أعود إلى الكلمة الأهم التي توقف عندها الدكتور مظهر محمد صالح: «الثقة». فهي رأس المال الذي لا يظهر رقماً في خزائن المصارف، لكنه إذا نفد منها، فلن تكفيها كل الأرقام.
Z_alhilly@yahoo.com