جولة استعادية للزمن... لكن، هل يعود الزمن حقا؟
هدير الجبوري
ربما يعود الزمن فقط عندما نستحضره من بين ركام الذكريات، ونستعيد تلك اللحظات التي كان هو أول سارقيها منا.
جربت اليوم أن أعيد الزمن إلى الوراء... أن أستعيده بكل ما حمله من وجوه وأمكنة وضحكات وخيبات وذكريات.
حاولت أن أستقل الباص كما كنت أفعل قبل أكثر من أربعين عاما، وكأنني أستعيد رحلة قديمة لم تنته بعد.
كنت أرتدي شيئا مختلفا عما أرتديه اليوم، لكنني حاولت أن أتناساه، وأن أقنع نفسي بأنني ما زلت أرتدي ذلك الثوب الذي كان يرافقني في رحلاتي الأولى.
حاولت أيضا أن أتجاهل وجهي الذي حملت ملامحه سنوات العمر، وأنسى أن الشعر المنسدل الذي كان ينساب على كتفي ذات يوم، أصبحت أخفيه خلف غطاء الرأس .. ولا ينتبه أحد إلى تلك الشعيرات البيضاء الكثيرة التي تركها الزمن في رأسي.
لكن... لا يهم.
لا يهم كيف كنت، وكيف أصبحت.
المهم أنني انطلقت اليوم من النقطة ذاتها، وسرت في الشوارع نفسها، وبين الأمكنة التي ما زالت تختزن في زواياها شيئا مني... شيئا من طفولتي وصباي وشبابي وأيام النضوج.
كانت جولة بين السبع أبكار والأعظمية، لكنها في الحقيقة لم تكن جولة في الشوارع بقدر ما كانت جولة في العمر.
مررت بمدرستي الابتدائية، فشعرت أن طفلة صغيرة كانت تمشي إلى جواري، تحمل حقيبتها، وتراقب الدنيا بعينين واسعتين لا تعرفان بعد ماذا تخبئ لهما الأيام.
ثم تجاوزتها قليلا، ووصلت إلى مدرستي الثانوية.
وقفت عيناي طويلا عند سياجها العالي، وكأنهما تبحثان من خلفه عن شيء ضائع... عن ساحة، عن صف، عن نافذة، عن وجه قديم، أو ربما عن تلك الفتاة التي كنتها ذات يوم.
ظل رأسي ونظراتي مسمرين على السياج، لعلني أرى شيئا من الساحة أو الصفوف، ولعل الذاكرة تفتح لي بابا صغيرا أعبر منه إلى ذلك الزمن.
لكن الشوارع تغيرت...
وضاقت بعض الأماكن، وتبدلت ملامح أخرى، وكأن السنوات مرت من هنا أيضا وتركت بصماتها على كل شيء.
ومع ذلك، ظلت الشوارع في خاطري شابة كما عرفتها أول مرة.
فالذاكرة لا تعترف بالتغيير.
هنا وقفنا...
وهنا ضحكنا...
وهنا بكينا...
وهنا تألمنا...
وهنا فرحنا...
وهنا ارتعبنا بخوف طفولي صغير...
وهنا جرينا...
وهنا تسابقنا...
وهنا خجلنا...
وهنا تجرأنا...
كم من "هنا" مررت بها اليوم، وكم من حكاية كانت مختبئة في كل زاوية، وكم من عمر كامل كان يخرج من بين حجارة الطريق ليقول لي: أنا ما زلت هنا.
كانت الدموع تنساب أحيانا على خدي خفية، قبل أن تلحق بها ابتسامة سريعة تمحو أثرها، وكأن القلب لا يريد أن يفضح كل ما يشعر به.
كنت أتنقل بين الأمكنة، لكنني في الحقيقة كنت أتنقل بين أعمار مختلفة مني.
طفلة...
مراهقة...
شابة...
امرأة ناضجة...
وها أنا اليوم أقف بينهن جميعا، أبحث عن نفسي في وجوههن القديمة، وأتساءل: أين ذهبت كل تلك السنوات؟
هل مضت حقا؟
أم أنها ما زالت تعيش في مكان ما داخلنا؟
هل يعود الزمن؟
نعم...
ربما لا يعود كما كان، ولا نستطيع أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا أن نستعيد أعمارنا التي مضت، لكن الزمن يعود إلينا في دواخلنا كل يوم.
يعود حين نعثر على شارع قديم.
على أغنية.
على رائحة مكان.
على صورة.
على وجه غاب.
أو حتى على رحلة قصيرة في باص، تشبه رحلة كنا نقوم بها قبل أكثر من ثلاثين عاما.
يعود الزمن حين نغمض أعيننا فنجد أنفسنا فجأة كما كنا... أصغر سنا، أكثر حلما، وأقل خوفا من المستقبل.
يسكن الزمن في أعماقنا ولا يغادرها، حتى وإن غادرنا شبابنا، وتبدلت ملامحنا، وتعبت خطانا، وجرت بنا أيام العمر مسرعة، وسرقت منا أجمل السنوات.
فبعض الأزمنة لا تنتهي...
وبعض الأماكن لا تكبر...
وبعض الذكريات لا تشيخ.
وربما لهذا السبب عدت اليوم إلى الطريق القديم...
لم أكن أبحث عن المكان.
كنت أبحث عن نفسي التي تركتها هناك منذ زمن طويل….