حين تصبح التفاهة نجومية
نعمة حسن علوان
لم يعد الوصول إلى الشهرة يحتاج إلى موهبة استثنائية، ولا إلى كتابٍ يُقرأ، أو قصيدةٍ تُحفظ، أو موقفٍ يستحق أن يُروى. يكفي في كثير من الأحيان أن تمتلك هاتفا ذكي أو كاميرا، وأن تعرف كيف تقف أمامهما، ثم تنتظر أن تلتقطك الخوارزميات. هكذا أصبح بإمكان أي شخص تقريبا أن يتحول إلى مشهور، لا لأنه قال شيئا مهما، ولا لأنه أضاف إلى حياة الناس معرفة أو جمالا أو قيمة، وإنما لأنه استطاع أن يجذب العيون لثوانٍ قليلة.
لقد أصبحت التفاهة، في كثير من الأحيان، أكثر قدرة على صناعة الضجيج من الحقيقة كل يوم، بل كل لحظة، تخرج علينا (الترندات) من كل مكان، تتدافع أمام أعيننا، وتفرض نفسها علينا، حتى تكاد تتقيأ في وجوهنا ما لا نريد أن نراه، ومع ذلك، لا نفعل شيئا سوى أن نزيد أعداد المشاهدات، ونمنحها مزيدا من الحياة، ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا تصدرت التفاهة المشهد؟
نحن، من حيث لا نشعر، شركاء في صناعة هذا المشهد فالخوارزمية لا تسأل: هل هذا المحتوى جميل؟ هل هو عميق؟ هل هو أخلاقي؟ هل يضيف شيئا إلى الإنسان؟
إنها تسأل سؤالا واحدا تقريبًا: كم من الوقت سيبقى الناس أمامه؟
وهنا تبدأ المشكلة
المحتوى الذي يثير الغضب، أو الفضول، أو السخرية، أو الصدمة، يستطيع أن ينتشر أسرع من نص يحتاج إلى قراءة هادئة وتأمل طويل ولهذا يجد التافه طريقه أسرع إلى الملايين، بينما يقف صاحب الفكرة الجادة على الهامش، ينتظر قارئا قد لا يأتي وفي الجانب الآخر من المشهد، هناك أناس يمتلكون ما هو أثمن من الكاميرا والهاتف: يمتلكون المعرفة، والتجربة، والموهبة، والنزاهة، والقدرة على قول شيء يستحق أن يُسمع لكنهم مهمشون بل إن بعضهم جرى تجميده وإبعاده عن أداء دوره الطبيعي في المجتمع وحتى حين يحاولون استخدام الأدوات نفسها، الهاتف والكاميرا ومنصات التواصل، فإنهم لا يستطيعون منافسة ذلك السيل الجارف من التفاهة؛ لأن ما يقدمونه يحتاج إلى عقلٍ يصغي، وذائقةٍ تتذوق، ووقتٍ يسمح للفكرة بأن تصل وهذه هي المفارقة المؤلمة:
مفهوم الشهرة
الأدوات أصبحت متاحة للجميع، لكن الذائقة لم تعد كذلك لم تعد المشكلة في غياب المنبر؛ فالمنابر اليوم في أيدي الجميع المشكلة في أن المنبر نفسه صار يكافئ الأكثر إثارة، لا الأكثر قيمة لقد تغير مفهوم الشهرة كان المشهور في زمن مضى يحتاج إلى أن يترك أثرا كي يصبح مشهورا، أما اليوم فقد يصبح مشهورا لأنه ظهر كثيرا وهناك فرق هائل بين أن تكون معروفا لأنك قلت شيئا، وأن تقول شيئا لأنك تريد أن تكون معروفا لقد دخلنا عصرا أصبحت فيه المشاهدة قيمة بحد ذاتها، وكأن عدد العيون التي تنظر إليك هو الدليل على أهمية ما تقول. وصار (الترند) أشبه بمحكمة يومية تمنح أحكامها بسرعة: هذا مهم، وهذا تافه، هذا يستحق أن نراه، وهذا لا يستحق لكن من قال إن الأكثر مشاهدة هو الأكثر أهمية؟
كم من كتاب عظيم لم يقرأه إلا بضعة آلاف؟
وكم من قصيدة بقيت حية لعقود رغم أن كاتبها لم يكن يمتلك كاميرا أصلا؟
وكم من شخص أصبح حديث الناس يوما واحدا ثم اختفى، بينما بقي أثر إنسان مجهول في حياة عشرات الناس سنوات طويلة؟
المشكلة إذن ليست في الهاتف ولا في الكاميرا الهاتف أداة، والكاميرا أداة، ومنصات التواصل أدوات المشكلة في الإنسان الذي يستخدمها، وفي المجتمع الذي يقرر ماذا يكافئ وماذا يهمل حين نمنح التفاهة ملايين المشاهدات، فإننا لا نشاهدها فقط؛ نحن نمول انتشارها ونمنحها شرعية اجتماعية وحين نتجاهل المثقف والمبدع وصاحب الموقف، فإننا لا نعاقبه وحده، وإنما نخسر جزءا من قدرتنا على صناعة مجتمع أكثر وعيا إن أخطر ما في الأمر ليس أن يصبح التافه مشهورا الأخطر أن يصبح المشهور هو النموذج الذي يقلده الآخرون عندما يرى الشاب أن طريق الشهرة يمر عبر الاستعراض، والابتذال، وإثارة الجدل، وإنتاج المحتوى الفارغ، فقد يبدأ في الاعتقاد بأن المعرفة لا قيمة لها، وأن الثقافة لا تصنع حضورا، وأن الموهبة الحقيقية عبءٌ لا ميزة. وعندها لا تعود التفاهة مجرد ظاهرة إعلامية، بل تتحول إلى ثقافة وحين تتحول التفاهة إلى ثقافة، يصبح صاحب القيمة غريبا في مجتمعه وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: هل انزلق المجتمع فعلا إلى نقطة يصعب معها التراجع؟ ربما لكن الانهيار لا يحدث دفعة واحدة، كما لا يبدأ السقوط من لحظة واحدة يبدأ حين نعتاد الشيء الخطأ، ثم نتوقف عن الاعتراض عليه، ثم نضحك منه، ثم نقلده، ثم يصبح هو القاعدة ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست ضد شخص تافه ظهر على شاشة، ولا ضد (ترند) عابر المعركة ضد تحول التفاهة إلى معيار للقيمة نحتاج إلى أن نستعيد حقنا في أن نسأل: ماذا يستحق أن نراه؟ ماذا يستحق أن نقرأ؟ من يستحق أن نمنحه انتباهنا؟ وما الذي نريد أن يبقى من هذا الزمن بعد أن ينتهي كل هذا الضجيج؟ فالانتباه هو العملة الأغلى في هذا العصر ومن يملك انتباه الناس، يملك جزءا من تشكيل وعيهم ولهذا ربما لا نستطيع أن نمنع التافه من أن يتحدث، ولا نحتاج إلى ذلك أصلا، لكننا نستطيع أن نقرر ألا نجعله نجما، وألا نمنحه ما يبحث عنه: أعيننا، ووقتنا، وتفاعلنا.
فربما يكون أول طريق إنقاذ الذائقة أن نتعلم من جديد فنَّ التجاهل
أن نغلق الشاشة أحيانا، ونفتح كتابا
أن نخفض صوت الضجيج، ونرفع صوت الفكرة
أن نبحث عن الإنسان الذي يقول شيئا، لا عن الشخص الذي يظهر كثيرا
فالمجتمعات لا تنهار فقط حين يكثر فيها الجهل، وإنما حين تفقد قدرتها على التمييز بين الجهل والمعرفة، وبين الضجيج والصوت، وبين الشهرة والقيمة
وحين يصبح كل من يمتلك هاتفا وكاميرا قادرا على أن يكون مشهورا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس:
من أصبح مشهورا؟
بل:
لماذا أصبح هذا الشخص مشهورا؟
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية عن مجتمعنا، وعن الذائقة التي نصنعها بأيدينا، وعن المستقبل الذي نتركه لأبنائنا: هل سيكون مستقبلًا تنتصر فيه القيمة، أم زمنا طويلا من الضجيج، يتصدر فيه المشهد من يجيد لفت الأنظار، بينما يقف أصحاب المعرفة والجمال والنزاهة خلف الستار، ينتظرون جمهورا لم يعد يأتي؟