حين يصبح العدو فكرة
محمد الجوراني
أخطر ما تواجهه الشعوب ليس إحتلال الأرض ، فالأرض مهما طال إغتصابها تبقى شاهدة على أهلها ، و حجارتها تحتفظ بالذاكرة و ترابها ينتظر لحظة العودة .
أما الأخطر فهو أن يُستعمر العقل ، لأن الإنسان إذا استُعمر فكره تحول إلى سجان نفسه ، و إلى من يدافع عن القيود التي تكبله .
يبدأ العدو الأول لا بمسح الخرائط ، بل بمسح الذاكرة و إعادة كتابة التاريخ على مقاسه ، يلغي بطولات و يضخم نكسات و يقنعك أن ماضيك كان خرابا فلا تفتخر به ، و أن حاضرك بؤس فلا تقاومه ، و أن مستقبلك مستحيل فلا تحلم به ..!!
و حين تنسى الأمة من تكون ، يصبح من السهل أن تقنعها بأن تكون أي شيء آخر ، فنجد أجيالاً لا تعرف أبطالها و تخجل من تراثها و تعتبر جلد الذات موضوعية و أنفتاحاً .
ثم ينتقل من الرأس إلى الجيب .. تزرع فكرة بسيطة و ماكرة مثل (نحن فاشلون بطبيعتنا ، لذلك نحتاج من يديرنا) فيتحول الإستيراد إلى عقيدة ، و الإعتماد إلى ضرورة و التبعية إلى واقعية . تباع المصانع بحجة الخسارة و تهجر الزراعة بحجة الجفاف و تسلم مفاصل الإقتصاد لشركات لا تعرف إلا لغة الربح .
وهكذا يصبح المواطن مستهلكاً لا منتجاً و متسولاً للخدمة لا صاحب حق فيها .
و الفقر هنا ليس نتيجة عابرة ، بل أداة متقنة..لأن الجائع لا يفكر بالحرية يفكر بالخبز ..!!؟؟
و أخطر المراحل حين يرتدي العدو لباس القيم ، تُبث فكرة أن السياسة لعبة قذرة فلا تدخلها ، قل خيراً أو أصمت..الوطنية تعصب .
يفصل الدين عن الحياة و يجرد من دوره في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فيتحول إلى طقوس بلا أثر ، و تُحول الأخلاق إلى ضعف و الشجاعة إلى تهور والصدق إلى سذاجة .
مساحات منتزعة
بهذه الطريقة يُقتل الضمير الجمعي بهدوء و يصبح الفساد شطارة و التواطؤ حكمة ، لقد تبدلت خرائط الصراع في عصرنا ، لم تعد تحسم بالدبابات وحدها ولا تقاس الإنتصارات بالمساحات المنتزعة ..!! أنتقلت ساحة المواجهة من الجغرافيا إلى الوجدان و من الحدود إلى العقل الجمعي .
و تحولت السياسة من فعل بناء إلى خطاب يدار بعناية في الغرف المغلقة ، ثم يقدم للناس في قوالب جاهزة ، و حين يتحول الخطاب إلى تضليل ، يغدو المواطن أسير إعلام لا ينقل الواقع كما هو ، بل يعيد تشكيله .. إعلام يمتلك القدرة على تقديم الرواية البديلة في وضح النهار ، ثم يقنعك أن ما تراه بعينك مجرد انطباع ناقص .
إعلام يتقن تحويل الأزمات إلى سرديات مبررة ، فيعاد توصيف الإختلالات الإدارية على أنها إصلاحات هيكلية ، و تسمى التبعية الإقتصادية تكاملا إستراتيجياً ، ويقدم العجز المؤسسي بوصفه مرحلة انتقالية إستثنائية .
و الأخطر أنه قادر على تحويل مواطن الإخفاق إلى سجل من الإنجازات ، فيعرض إنقطاع الخدمات على أنه ترشيد للإستهلاك ، و تدهور القطاعات الحيوية على أنه سياسة تقشف وطني ، و بيع الأصول العامة على أنه نموذج ناجح للخصخصة .!!
في هذا المناخ يزدهر نموذج من السياسة يعتمد على الكلام بدل الفعل ، سياسي يدرك أن بناء المصانع و المدارس و المستشفيات طريق طويل ، بينما إقناع الناس بالكلام أقصر .و هو وعي الناس لأنه يعلم أن الإنسان الواعي يسأل و يقارن ويحاسب و لا يقبل الشعارات بوصفها بديلاً عن النتائج . لذلك يلجأ إلى أدوات تحدث ضجيجا يغطي على صوت العقل.
. يوظف الخوف من المجهول..و يعيد إنتاج الإنقسامات الضيقة التي تنسي الناس مشتركاتهم ، و يحول النقد إلى تهمة .
و هكذا ينشغل المجتمع بالدفاع عن إنتماءاته الجزئية و ينسى وطنه الجامع ، و يستهلك طاقته في الصراع الداخلي بدل البحث عن حلول
و هنا تتجلى المفارقة الكبرى و هي أن يصبح العدو فكرة تُبث كل يوم حتى نصدقها و نرددها و ندافع عنها .
إحتلال الأرض ظرف إستثنائي له بداية و نهاية ، و قد يُطوى بخروج المحتل أو بتفاهم أو بفعل شعبي .
أما إحتلال العقل فهو حالة مستمرة لا تحتاج إلى وجود عسكري دائم .. يكفي أن تُكرر الفكرة حتى تترسخ و أن تُقدم الرواية حتى تُصدق ، و في هذه الحالة يجد الإنسان نفسه يدافع عن الذي أضره ، و يبرر لمن قصر في حقه ، و يقف ضد من يحاول أن يريه الصورة كاملة ..!!
من هنا نفهم أن المعركة الجوهرية للأمم هي معركة الوعي ، معركة إستعادة القدرة على التفكير الحر ، و على التمييز بين الخطاب و الواقع ، لأن شعباً يفكر بعقله يصعب توجيهه مهما كانت أدوات السلطة و مهما كثرت أدواتها الإعلامية ، سيبقى هناك من يسأل : لماذا..؟؟ و من المستفيد..؟؟ ، الشعب الواعي لا تنطلي عليه الأرقام المختارة ، ولا تستفزه العبارات الجاهزة ، الشعب الواعي يعرف أن الوطن ليس شعاراً موسمياً ، بل هو التزام يومي بالعدل و الخدمة و الكرامة ..!!
إن تحصين الوعي لا يتم بخطاب واحد ولا بحملة عابرة ، و يتم بتعليم يشجع على السؤال ، بدل الحفظ و بإعلام يحترم عقل المتلقي و يفصل بين المعلومة و الدعاية .
و يتم بثقافة سياسية تقيس النجاح بما يتحقق على الأرض لا بما يقال على المنصات ، و يتم بهوية وطنية جامعة تضع الإنتماء للوطن فوق أي إعتبار ، فتفقد أدوات الفرقة و التخويف و التخوين تأثيرها .
في الختام ... علينا أن نتذكر أن السقوط الأكبر لا يبدأ بانهيار7 المباني ، بل بإنهيار المعنى و أن الإستقلال لا يُحتفل به في يوم واحد ، بل يُمارس كل يوم في طريقة تفكيرنا و خياراتنا ، ما لم ننتصر في معركة الوعي ، سنظل نحرر الأرض ثم نُسلم مفاتيحها لمن نجح في إدارة عقولنا ..!!
و ما لم نصنع إنساناً يملك إرادته و عقله ، سنظل نعيد إنتاج الأسر بأسماء جديدة ..!!