خيار الحكمة قبل فوات الأوان
مجاشع التميمي
إن قضية الفصائل العراقية ومستقبل الوجود الأمريكي ليست مجرد ملف سياسي عابر، بل معادلة وجودية تحدد مسار الدولة؛ فالعراق يرتكز في استقراره على سياسة توازن حذرة ودقيقة بين طهران وواشنطن. ومن هذا المنطلق، يرى المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية أن هذه الفصائل جزء لا يتجزأ من النفوذ الإيراني، وبالتالي فإن أي انسحاب أمريكي مقابل بقاء سلاح الفصائل وسيطرتها الميدانية، سُيفسَّر فوراً بكونه انكساراً لواشنطن وتكريساً لانتصار إيراني كامل على الساحة العراقية، وهو ما يُعد استفزازاً خطيراً يطيح بمعادلة التوازن ويُدخل العراق في عزلة وقطيعة دولية.
وما يضاعف هذا الخطر أن الاتفاق الذي أبرمته حكومة السوداني عام 2024 لإنهاء مهمة التحالف الدولي قام بالأساس على معادلة السيادة وحصر السلاح بيد الدولة. وأي خلل في تطبيق هذا الشرط سيعني دولياً انحيازاً كاملاً من بغداد لصالح طهران على حساب واشنطن.
إن هذا الانقطاع الدولي ستكون له أثمان اقتصادية ومالية باهظة، تجعل بغداد عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها وصرف المرتبات وتقديم الخدمات، لتنزلق البلاد نحو الفوضى وتكرار سيناريو أحداث غزة عام 2007؛ حين سيطرت المجاميع المسلحة على المقاليد وحلت محل مؤسسات الدولة الرسمية، مما يهدد بتفكك السلطة ودخول العراق في حصار واختناق اقتصادي وسياسي شامل.
وأمام هذا المنعطف التاريخي، يتوجب على قوى الإطار التنسيقي التحرك فوراً بقراءة هادئة وواقعية، عبر دعم رئيس الوزراء والقاضي فائق زيدان، وفتح حوار سياسي جاد مع واشنطن يُغلّب المصلحة الوطنية ويحفظ توازن العراق الخارجي، قبل أن تضيق مساحات المناورة وتُفرض خيارات أكثر قسوة.