ليش آني هندي؟.. من مفردة ساخرة إلى درس في نهضة الشعوب
خالد محسن الروضان
هناك مفردات تولد في الذاكرة الشعبية، ثم تتحول مع مرور الزمن إلى أمثال تتناقلها الأجيال من دون أن يتوقف أحد كثيرًا عند معناها أو ما تحمله من أحكام مسبقة. ومن بين هذه المفردات التي رسخت في الذاكرة العراقية عبارة «ليش آني هندي؟»، وهي عبارة ارتبطت، للأسف، بصورة نمطية تنتقص من الإنسان الهندي، وتفترض فيه البلادة أو ضعف القدرة على الفهم، وهي صورة لا تستند إلى حقيقة، بقدر ما تعكس نظرة اجتماعية تشكلت في مرحلة تاريخية معينة.
وقد شاع تداول هذه العبارة في الأوساط الشعبية العراقية، ولا سيما منذ ستينيات القرن الماضي، حتى نُسجت حولها حكايات ونكات كثيرة. ومن الروايات الشعبية المتداولة أن رئيس الوزراء الهندي اشتكى إلى الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف من انتشار هذه العبارة، وطلب منه المساعدة في الحد من استخدامها. وتروي الحكاية أنه عندما كان الرئيس العراقي يهم بمغادرة الهند، ذكّره رئيس الحكومة الهندية بالرجاء، فجاء الرد الطريف المنسوب إلى عبد السلام عارف:
«ليش آني هندي؟»
وسواء صحت الرواية بكل تفاصيلها أم كانت من الحكايات التي أضافت إليها الذاكرة الشعبية، فإنها تصلح مدخلًا لطرح سؤال أكبر: لماذا نستخف بالآخر أحيانًا، بدل أن نتعلم من تجربته؟
إن المقارنة بين العراق والهند ليست مقارنة بين شعبين أو حضارتين، وإنما محاولة لقراءة مسارين مختلفين في بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد خلال التاريخ المعاصر.
حصل العراق على استقلاله الكامل وانضم إلى عصبة الأمم عام 1932، بينما حصلت الهند على استقلالها عام 1947. ومع ذلك، فإن مسيرة البلدين أخذت اتجاهات مختلفة؛ فقد عانى العراق، على امتداد عقود، من اضطرابات سياسية وانقسامات وصراعات وحروب استنزفت جزءًا كبيرًا من موارده البشرية والاقتصادية، ولا يزال اقتصاده يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، مع تحديات تتعلق بتنويع مصادر الدخل وتطوير القطاعات الإنتاجية.
تنوع ديني
أما الهند، فقد بنت تجربتها السياسية على نظام ديمقراطي اتحادي واسع، واستطاعت، رغم التحديات الهائلة والتنوع الديني واللغوي والقومي الكبير، أن تحافظ على مؤسسات الدولة وتطوّر اقتصادها تدريجيًا، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكبر اقتصادات العالم.
وهنا تكمن المفارقة: كيف تحول الإنسان الذي كنا نسخر منه في الأمثال الشعبية إلى إنسان يقود واحدة من أسرع التجارب الاقتصادية نموًا في العالم؟
الهند لم تكن دولة متجانسة لغويًا أو دينيًا أو اجتماعيًا. بل هي بلد شديد التنوع، وتوجد فيها لغات عديدة ولها أنظمة وثقافات محلية مختلفة، بينما تُستخدم الهندية والإنجليزية على المستوى الاتحادي، إلى جانب لغات رسمية متعددة في الولايات. ومع ذلك، استطاعت الدولة أن تجعل هذا التنوع عنصرًا من عناصر قوتها بدل أن تحوله بالضرورة إلى سبب دائم للصراع.
والهندي الذي كان حاضرًا في المخيال الشعبي العراقي بوصفه نموذجًا للسخرية، أصبح اليوم مهندسًا وطبيبًا وعالمًا ورجل أعمال ومبرمجًا وباحثًا في الفضاء والطاقة والتكنولوجيا، وأصبح الاقتصاد الهندي من الاقتصادات الكبرى عالميًا.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الهند، التي كانت في مراحل تاريخية تعاني الفقر والاستعمار والتخلف الاقتصادي، استطاعت أن تستثمر في العلم والتعليم والتكنولوجيا والصناعة والزراعة، وأن تبني قاعدة اقتصادية واسعة لا تقوم على مورد واحد.
وتحضرني هنا واقعة أخرى من الذاكرة العراقية. ففي عام 1972، عندما استعانت الحكومة العراقية بخبرات هندية في مجال زراعة الشلب في ناحية الكحلاء، اعترض بعض الفلاحين مستغربين، وقال أحدهم بلهجة شعبية ساخرة:
«تالي عمرنه يعلّمنا الهنود زراعة الشلب؟» ولم يكن السؤال في حقيقته عن الزراعة، بل كان يعكس نظرة اجتماعية ترى أن الآخر أقل معرفة منا، وأن الاعتراف بخبرته نوع من الانتقاص من شأننا.
لكن التاريخ أثبت أن الأمم لا تتقدم بهذه الطريقة.
الأمم تتقدم عندما تتعلم من بعضها، لا عندما تسخر من بعضها.
إن المشكلة ليست في أن يأتي خبير هندي ليعلّمنا زراعة الشلب، أو خبير أجنبي ليعلّمنا صناعة أو تقنية حديثة؛ المشكلة الحقيقية هي أن نرفض المعرفة لأنها جاءت من شخص لا ينتمي إلى بيئتنا.
لقد تغير العالم، ولم يعد التفوق حكرًا على شعب أو أمة. فالعلم لا يعرف لونًا ولا قومية، والنجاح لا يحمل جواز سفر، والإنسان الذي يمتلك المعرفة يستطيع أن يصنع الفارق أينما كان.
تطور اقتصاد
ومن هنا فإن عبارة «ليش آني هندي؟» التي كانت تُقال في طفولتنا أحيانًا للدلالة على الاستغراب أو السخرية، ينبغي أن تتحول اليوم إلى سؤال مختلف:
لماذا لا نتعلم من الهند؟
ولماذا لا ندرس كيف استطاعت دولة بهذا الحجم، وبهذا التنوع، أن تبني مؤسساتها وتطور اقتصادها وتستثمر في الإنسان والعلم والتكنولوجيا؟
إن احترام الإنسان الآخر لا يعني التخلي عن هويتنا، بل يعني احترام أنفسنا أولًا. فالمجتمع الواثق من ذاته لا يخاف من تجربة الآخرين، ولا يرى في نجاحهم تهديدًا له، وإنما يعتبره فرصة للتعلم والمقارنة والتطور.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة السخرية من الآخر إلى ثقافة التعلم منه، ومن إطلاق الأحكام المسبقة إلى قراءة التجارب بموضوعية، ومن الاعتقاد بأننا نمتلك الحقيقة وحدنا إلى الإيمان بأن المعرفة الإنسانية ملك للجميع.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل رد على المفردة التي رافقت أجيالًا من العراقيين هو أن نقول:
نعم… أنا هندي إذا كان المقصود أن أتعلم، وأعمل، وأحترم العلم، وأبني وطني.
ونعم… أنا عراقي إذا كان المقصود أن أتعلم من الآخرين، ثم أصنع من تجربتي طريقًا خاصًا بي.
فليس العيب أن نتعلم من الهندي، أو من الأوروبي، أو من الأمريكي، أو من أي شعب آخر؛ العيب أن نرفض التعلم ثم نتساءل: لماذا سبقنا الآخرون؟
ويبقى الإنسان هو الإنسان، مهما اختلف اللون واللغة والمكان؛ وكما يقول القرآن الكريم:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ).
فالنهضة تبدأ عندما نحترم الإنسان… وتكتمل عندما نحترم العلم.