عماد مصطفى يعتمد فن المونودراما في كتابه
جماليات النص المسرحي في أنا ملك أنا ملك
الموصل - سامر الياس سعيد
في البداية لابد ان انوه تجاه مبادرة نقابة الفنانين العراقيين المتمثلة بدعم وانتاج الكتب والدراسات الفنية كون كتاب الكاتب المسرحي الموصلي عماد مصطفى ابراهيم المعنون بانا ملك انا ملك جاء ضمن تلك المبادرة حيث خالطني شعور بان المبادرة لابد ان لا تكتفي بنشر تلك الكتب المتضمنة على نصوص مسرحية بل تسعى لانتاجها ضمن مسرحيات تجسد تلك النصوص لاعمال فنية تتيح لمتابعيها ان يعيشوا النص المكتوب ويلمسوا متانته وحبكته الفنية عبر الصوت والصورة دون الاكتفاء بالنص الورقي وعموما فان النص المسرحي في العراق جسد محطة من محطات العمل الفني حيث بدا في راس الهرمية الفنية من خلال توظيف تلك النصوص وتحويلها لاعمال فابرزت تلك التلاحمات الفنية عن تعاون فني مشترك جسد الكثير من اسماء الكتاب المسرحيين ممن استهلموا تجارب شتى في تنفيذ نصوصهم سواء من خلال الاطلالة على اعمال كتاب عرب وعالميين في هذا الشان والاستفادة من تجارب هولاء الكتاب وابرازها في نصوص تحمل الهم المحلي وتجسده لا بل تسعى الى تمريره في رسائل يحسن المتابع او المشاهد فك شفراته وقراءتها بصورة سلسة ويسيرة.
لقد استهلم الكثير من الكتاب من تجارب مسرحيين عرب كسعدالله ونوس و بريشت وادركوا ان الكتابة المحلية او التحليق في النص المسرحي المحلي هو ايسر الامور نحو عقد جلسة بين المشاهد والكاتب لغرض ابراز همومه وشجونه في نصوص مسرحية خالصة تستدعي الاقرار بما يشكله هم الانسان البسيط من قسوة الحكام وتلظيهم بما يجري من عسف او قسوة بائنة يسلط عليها الكاتب اضوائه ويستلهم نبض قسوتها ليحولها الى حبر على ورق النص المسرحي فكما اجمع اغلب الفنانين خصوصا حينما يسالون عن عزوفهم عن المشاركة باعمال فنية ليؤكدوا ان الورق هو الفاعل الرئيسي الذي يدفعهم للعمل ويقصدون به السيناريو والحوار الخاص بالعمل الفني وقدرته على جذبهم لغرض تجسيد الاعمال الفنية .
تأثيث المسرح
ولا شك في ان الكاتب المسرحي حينما يلج هذا الميدان يكتب النص وعينه على من يسهم بتجسيده الى حقيقة اي انني اقصد ان الكاتب المسرحي حينما يكتب نصه فيما عقله مشغول بتاثيث المسرح واختيار الفنان الذي يجسد دور البطولة والقادر فعلا على استنباط اية اشارة او دلالة وضعها الكاتب ليتمكن من خلالها في ان يمضي بعمله الى ميناء التميز .
والكثير من كتاب الاعمال الفنية ساهموا في كتابة نصوص ليختروا من خلالها الفنان القادر على تاكيد تلك الاعمال اي انهم وضعوا قالبا فنيا لفنان معين يسهموا من خلاله الى تاكيد جدارته في ابراز هذا العمل وحتى ان تجارب الفنان عادل امام سواء في المسرح او في الافلام السينمائية حققت قبولا كبيرا بالاعتماد على ثنائية الكاتب والفنان حيث مثلت تجربة الكاتب يوسف معاطى ذروة تميز الفنان عادل امام الذي اعتمد بالتالي على مخرج متمكن ليسهم باكمال ضلع المثلث الناقص فيما تناولناه من قوة الورق ممثلة بالنص الفني اضافة لقدرة الفنان على التجسيد والتمثيل لتلك النصوص.
ونعود لنصوص كتاب انا ملك انا ملك التي قدمها لنا الكاتب المسرحي عماد مصطفى ابراهيم الذي جسدت نصوصه السابقة ضمن اعمال فنية قدمتها خشبة مسرح اكاديمية الفنون الجميلة في جامعة الموصل ليطل علينا من خلال نصوص جديدة قوامها ثلاث مسرحيات هي كلا من مسرحية الجسر ومسرحية الملك والجني ومسرحية مهرجون.
ونبدا كلمة التقديم التي دونها الكاتب المسرحي الرائد ناهض الرمضاني حيث قال بحق الكتاب بان الكاتب تدثر بعباءة الحكاية التاريخية مواصلا مسيرته في صوغ وكتابة المسرحيات معبرا عن عشق شديد للدراما اما الكاتب ففي سياق مقدمته اعلن انه ولج ميدان الموندراما من خلال نصوص مسرحياته الثلاث التي قدمها في اصداره الجديد مشيرا بان تجربته في فن الموندراما ليست بالامر الهين لاسيما في الاجواء العامة التي يعيشها البلد ويضي الكاتب في المقدمة بان نصوص المسرحيات الواردة في الكتاب تعرض ازلية الصراع بين الحاكم والمحكوم في شكل درامي جاد لم يخل من حس الفكاهة في بعض الاوقات وقد جسد بعض لوحات الكتاب الفنان التشكيلي احمد عبد الغني العزاوي وناتي اولا الى المسرحية الاولى والمعنونة بالجسر والتي استقصى الكاتب قصتها الاولية من حكاية تراثية لناتي على الجزئية التي ابتغى الكاتب احلالها في النص ليؤكد من خلالها ذلك الصراع الازلي المحتوم بين الحاكم والمحكوم حيث يقول :
ليست كلمات رنانة يامولاي وانما هي الكلمات التي لايحب سماعها كل الحكام المتسلطين والذين لايهمهم سوى مديح المادحين ونفاق المنافقين ومن يجعلون من هموم الناس سلما ليتسلقوا عليه نحو شهواتهم الزائلة ولاينقلون للحكام سوى الاكاذيب اما ما يعانيه الناس من مشاكل فلا يابهون لها لسبب بسيط الا وهو انهم هم السبب في مشاكل الناس من خلال اطماعهم التي لاحدود لها ..
اما المسرحية الثانية التي تحمل عنوان الملك والجني فقصتها تدور في بحث ملك ما عن شاعر يقول في حضرة الملك شعرا بامتلاكه للفصاحة والمخيلة وتتوالى رحلة البحث عن ذلك الشاعر في فصول المسرحية التي تبين نقمة الناس من سطوة ذلك الملك وتمرير مفردات نقدية لزمن حكمه ومع ذلك يدرك الملك تلك النقمة التي تتعالى عليه حيث يقول في احد حوارات المسرحية :
في البداية اخبرهم بان الاصلاحات التي يريدونها سترى النور في الايام القليلة القادمة وخلال لانتظار اشغلهم ببعضهم سايرهم دع اللهو يفعل فيهم فعله حتى يغيروا بايديهم حياتهم فيسهروا ليلهم حتى الصباح ويناموا نهارهم حتى يذهب وقتهم سدى مد لهم حبل الصبر ثم اسحبه على حين غرة منهم ..
اما مسرحية مهرجون والتي تتخذ النص الثالث والاخير من سلسلة نصوص الكتاب المسرحية فهي تتحدث عن حوار بين قلة حكمة ملك اما رؤية مهرج جاء لاسعاده حيث يقر الملك في سياق احدى الحوارات بانه قد راى من مشاهد الحياة ما يكفي ليقر في النهاية باننا لسنا سوى مهرجين من اجل الحياة والحياة كذلك تتطلب منا ان نلعب الدور ..
في الختام نشعر امام نصوص الكاتب عماد مصطفى ابراهيم اننا امام جيل مسرحي يستقرأ رؤيته للنص من خلال ما يعيشه مدركا ان تلك النصوص التي تحمل في ميزانه كفة الحكمة والكفة الاخرى التي تحمل الجمال في ابراز النص المسرحي من ان مسرحنا يعيش ازدهاره الخاص وما على المخرجين والفرق المسرحية من تاكيد تلك الرؤيتين بتجسيد تلك النصوص لنتابعها على الخشبة مجسدة باجمل ما عبرعنه الكاتب وراه مناسبا للتوظيف المسرحي ونحن بلا شك بالانتظار .