الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الطرف الثالث... الوجه الخفي للوساطة العقارية من الدلالية والتسويق إلى صناعة الخطر

بواسطة azzaman

الطرف الثالث... الوجه الخفي للوساطة العقارية من الدلالية والتسويق إلى صناعة الخطر

محمد فخري المولى

 

شهدت بغداد صباح الخميس ٢٦ آب ٢٠٢٦ حادثة اليمة استشهاد العميد هشام محمد مدير شرطة أمانة بغداد والمفوض خالد عباس أثناء تأديتهما واجباً رسمياً لإزالة التجاوزات

إثر تعرضهما لإطلاق نار قبل إلقاء القبض على المتهم،

حادثة تعيد إلى الذاكرة استشهاد مدير بلدية كربلاء المهندس عبير الخفاجي عام ٢٠٢١ أثناء إشرافه على حملة مماثلة حادثتان بزمنين مختلفين بسيناريو واحد يتكرر (ازالة التجاوزات)،

بعيداً عن مسار التحقيق الذي هو من اختصاص القضاء

فإن تكرار هذه الوقائع يفرض سؤالاً أكبر من حدود الواقعة نفسها

كيف تتحول مشكلة عقارية على قطعة أرض محدودة إلى مواجهة مسلحة تنتهي بإزهاق الأرواح والاعتداء على هيبة الدولة ممثلة برجل القانون؟

 

لنضع اولا خطوط لا يمكن تجاوزها

إن دم المواطن العراقي خط أحمر مصان بالدستور والقانون

فكيف إذا كان المعتدى عليه موظفاً مكلفاً بإنفاذ القانون؟

 

البداية ليست عند الشفل الأصفر

السؤال يصبح أكثر إلحاحاً حين ندرك

أن العراق بلد واسع فيه من الصحارى والأراضي غير المستغلة والفضاءات المفتوحة بين المحافظات

ما يجعل من غير المنطقي

أن تصل الخلافات على أمتار معدودة إلى نهايات مأساوية

الخطأ الشائع أننا نبدأ القصة من لحظة وصول آليات الإزالة

الحقيقة أن القصة بدأت قبل ذلك بسنوات وهناك غالباً طرف ثالث خفي

لا يظهر في المشهد لحظة تصاعد حدة الموقف لكنه كان حاضراً بقوة في لحظة التأسيس نسميه في مجتمعنا ا(لدلال)

مع تطور السوق والتجارة تعددت التسميات الوسيط العقاري، المروج، المسوق، المندوب، مكتب الوساطة.

 

الدلال مهنة قديمة محترمة ومنها ما برتبط بالذاكرة والتراث (دلالة)

الوساطة بحد ذاتها ليست مشكلة

بل هي جزء من الحل إذا كانت منظمة ومرخصة وتعمل وفق القانون

فهي شكل من اشكال التجارة ومهارة التسويق والبيع وارضاء الاطراف وتذليل العقبات لاتمام الصفقة

المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الوساطة إلى قناة لتسويق أرض متجاوز عليها او وضع اليد عليها لاسباب عدة ومنها غياب المالك الاصلي أو أرض زراعية جرى تقسيمها خلافاً للقانون او مساحة يمكن استغلالها أو عقار لا ينسجم مع التصميم الأساسي للمدينة.

 

هنا تبدأ الحكاية بإعلان جذاب

حقق حلمك.. فرصة العمر..

بيت أحلامك.. إلى متى تبقى بالإيجار

دقائق بسيطة وانت بقلب بغداد؟

فيندفع المواطن ليجمع مدخرات عمره وتتم الصفقة يقبض الوسيط عمولته ويغادر المشهد

بعد سنوات يجد المشتري نفسه أمام قرار إلازالة والشفل الصفر بالباب

من باعه الأرض غائب ومن روج لها اختفى ويبقى من اشترى واسرته وحدها تواجه خسارة المسكن والمال والمساءلة القانونية.

 

لذلك يجب ألا يتوقف السؤال

عند من بنى التجاوز

بل يجب أن يمتد، وفق القانون والأدلة

إلى من باع ومن روج ومن توسط

ومن أعلن ومن تابع الإجراءات

ومن كان يعلم بحقيقة واصل العقار

هنا تأكيد ضروري المسؤولية القانونية لا تُفترض ولا تُعمم على جميع العاملين في المهنة،

ففيهم مهنيون يمارسون عملهم بشرف والتزام وإنما تثبت بالتحقيق والأدلة والقرارات القضائية المختصة فقط.

 

مهنة تحتاج إلى تنظيم

الحاجة اليوم واضحة لإعادة تنظيم مهنة (الوساطة) العقارية وغيرها عبر:

نظام ترخيص وسجل مهني موحد،

توثيق إلزامي لكل عمليات الوساطة والبيع والشراء الى اخر التفاصيل

ربط المعلومات العقارية بالجهات الرسمية

لتكون المساءلة القانونية واضحة لكل من يثبت تورطه في تسويق عقارات واراضي مخالفة أو تضليل المشترين

ومن الأفكار التي تستحق الدراسة الجادة

إنشاء منصة او تطبيق عراقي عقارية وطنية موثوقة بمواصفات تتناسب مع الواقع تتيح للمواطن قبل إتمام الصفقة معرفة المعلومات الأساسية العامة جنس العقار، الملكية، الاستعمال المخصص، الحدود، المحرمات، والوضع القانوني للبناء، مرفقة بخرائط حديثة

 

لكن... وما أدراك ما لكن

هل الإزالة هي نهاية المطاف؟

إزالة التجاوز ضرورة عندما تكون المخالفة ثابتة قانوناً لحماية التخطيط الاساس وهيبة الدولة،

لكنها لا ينبغي أن تكون الحلقة الوحيدة في منظومة المعالجة.

 

السؤال الأهم الذي يجب أن نسأله

لماذا ننتظر الدولة والجهات ذات العلاقة المواطن حتى يبني 

ثم نصل إلى مرحلة الهدم

الدولة القادرة على إزالة التجاوز

لكنها يجب أن تكون قادرة على منع نشوئه من الأساس عبر المعلومة الواضحة والرقابة المبكرة، وسرعة الإجراءات وتحديد المسؤوليات

الامر ليس صعب المنال تطبيق الخرائط يحدث ويتابع ويرصد المناطق...

فمنع إنتاج المشكلة أقل كلفة بكثير من معالجة نتائجها.

 

المواطن بين المسؤولية والواقع

قد يقال لماذا يشتري أرضاً وهو يعلم أنها زراعية أو متجاوز عليها

السؤال مشروع والمسؤولية الفردية قائمة متى ثبت العلم والمخالفة،

لكن الواقع أكثر تعقيدا

المواطن قد لا يملك المعلومة الفنية والقانونية الكاملة وقد يعتمد على كلام الوسيط أو البائع أو على واقع حال يراه أمامه من أبنية قائمة منذ سنوات

لذلك فإن توفير المعلومة الرسمية إلكترونياً وبشكل واضح عن الأراضي الزراعية والمحرمات والمناطق التي

لا يجوز تقسيمها ليس ترفاً بل هو جزء من حماية المواطن نفسه.

 

بغداد تحت المجهر

الحديث عن بغداد لا يعني أنها الوحيدة التي تواجه العشوائيات

لكنها النموذج الأوضح لمشكلة مركبة امتدت لسنوات

هناك تداخل في الصلاحيات بين أكثر من جهة وحاجة ماسة لرؤية تخطيطية بعيدة المدى تحدد مستقبل العاصمة الأرض الزراعية تتحول إلى سكن والمساحات الكبيرة تُقسم إلى قطع صغيرة ثم تظهر المحال والأكشاك والبناء العشوائي وتتراجع المساحات المفتوحة والحدائق والمرافق العامة.

 

بغداد التي عرفناها بالبيوت الواسعة والحدائق، تحولت في أجزاء منها إلى كتل متلاصقة من الطابوق والإسمنت تبحث فيها العائلة عن متنفس

لو قارنا صورة بغداد عام ٢٠٠٣ بما هي عليه عام ٢٠٢٦ لوجدنا تغيراً كبيراً في استعمالات الأراضي وهذا يؤكد

أن العاصمة بحاجة إلى مشروع واضح للمستقبل يحدد الأراضي المخصصة للتوسع السكاني والمناطق الزراعية والصناعية والطرق المستقبلية والحدائق والمرافق ومشاريع الإسكان وآليات حماية الأراضي من التجاوز وتنظيم العلاقة بين أمانة بغداد ومحافظة بغداد والجهات ذات العلاقة بحيث يعرف المواطن والموظف معاً من المسؤول ومن يملك القرار

فالمدينة لا تدار بمنطق

ليست من صلاحيتي

لأن المواطن لا يعيش داخل حدود الصلاحيات الإدارية

بل يعيش داخل مدينة واحدة.

 

الخاتمة

حادثة استشهاد رجلي الشرطة

يجب ألا تبقى خبراً ينتهي بانتهاء يومه لانها جرس إنذار لإعادة النظر في منظومة كاملة

تبدأ من جنس الأرض والملكية والتقسيم والوساطة والإعلان والبيع وصولاً إلى البناء والإزالة.

لقد عرف العراق في مراحل مختلفة تجارب ناجحة في توزيع الأراضي وتنظيم الإسكان عبر جمعيات ومؤسسات مهنية بما يؤكد أن

فكرة التنظيم ليست مستحيلة.

المطلوب اليوم ليس معالجة حادثة واحدة وإنما بناء منظومة تمنع تكرار أسبابها فحين تُحمى الأرض بالمعلومة وتُنظم الوساطة بالقانون ويُمنع التجاوز بالتخطيط فإننا لا نحمي المدينة وحدها

بل نحمي المواطن ورجل القانون معاً ونمنع أن تتحول قطعة أرض

إلى بداية لنهايات أليمة لا يريدها أحد.

 


مشاهدات 51
الكاتب محمد فخري المولى
أضيف 2026/08/29 - 1:49 PM
آخر تحديث 2026/08/30 - 1:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 39568 الكلي 16129272
الوقت الآن
الأحد 2026/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير