العراق بخير
زكي الحلي
ليس صحيحاً أن العراق يفتقر إلى الخير، ولا أن أبناءه فقدوا روح المبادرة والعطاء. فما زال في هذا البلد رجال يحملون في قلوبهم حب الناس، ويؤمنون بأن خدمة الإنسان لا تحتاج إلى منصب أو مكسب، بل تحتاج إلى ضمير حي وإرادة صادقة.أحد أصدقائي المقربين الذين عشنا معاً في الغربة سنين الحصار وتقاسمنا الهموم وخذلان بعض الاصدقاء لنا ، أجتهد وأكمل الدكتوراه ، أستدعي للعمل في السلك الدبلوماسي لكفائته وعلمه ونزاهته ،
فعمل سنوات طويلة في السلك الدبلوماسي، وخرج منه وهو يحمل معه تجربة واسعة وعلاقات إنسانية اكتسبها خلال مسيرته. لكنه لم يغادر الدبلوماسية تاركاً خلفه هموم الناس، بل بقي يحملها معه، ولاسيما هموم المرضى الذين يضطرون إلى السفر خارج العراق بحثاً عن العلاج.
كان يؤلمه أن يرى مريضاً عراقياً يبيع ما يملك، أو يستدين، ليسافر إلى دولة أجنبية من أجل عملية أو علاج، ثم يتحمل فوق ذلك تكاليف السفر والإقامة والفنادق وأجور المرافقين والتنقلات. ومن هنا بدأت فكرة إنسانية كبيرة.
بجهود شخصية، وتحرك من منطلق المحبة لا المصلحة، استطاع أن يقنع إحدى الشركات الطبية العالمية بفكرة إنشاء مستشفى متكامل في العراق، تتحمل الشركة تكاليف بنائه وتجهيزه، ولا تطلب من العراق سوى تخصيص قطعة أرض مناسبة خارج بغداد.
المشروع، بحسب الفكرة، كان يمكن أن يكون صرحاً طبياً متكاملاً، يضم مختلف الاختصاصات، ويستقطب خيرة الأطباء، ويقدم خدماته بأسعار مناسبة للمواطن العراقي. وبذلك يستطيع المريض أن يتلقى العلاج داخل بلده، بعيداً عن مشقة السفر وتكاليف تذاكر الطائرة والفنادق والمواصلات والمرافقين، فضلاً عن عناء الغربة والابتعاد عن الأهل.
عاد صديقي وهو يحمل في داخله فرحة كبيرة؛ فقد كان يعتقد أنه استطاع أن يقدم للعراق فرصة حقيقية، وأن يفتح باباً من أبواب الرحمة أمام آلاف المرضى.
لكنه فوجئ، بدلاً من الترحيب بالفكرة ودراستها، برد من بعض أصحاب القرار:
«حصتنا منين ناخذها؟»
كانت تلك الجملة كافية لإسقاط مشروع إنساني كبير، ليس لأنه غير ممكن، ولا لأن الشركة تراجعت، ولا لأن الأرض غير متوفرة، وإنما لأن عقلية المحاصصة والمصلحة الشخصية وقفت في طريق مشروع كان يمكن أن يخدم آلاف العراقيين.
شعر صديقي بالخذلان والإحباط، ليس لأنه خسر جهداً شخصياً، وإنما لأنه اكتشف أن بعض الأبواب قد تُغلق أمام الخير عندما لا يجد أصحابها فيها منفعة خاصة.
ومع ذلك، أقول العراق بخير، لأن الخير ما زال موجوداً في قلوب أمثال هذا الرجل، ولأن العراق لا يُقاس بأصحاب المصالح، بل بأبنائه الذين يسعون لخدمة الناس بصمت.
ويبقى السؤال: كم مشروعاً إنسانياً خسره العراق لأن أحدهم سأل أولاً (حصتي منين آخذها؟) .