بعد إلغاء منصّة IASJ.. ذاكرة البحث العلمي العراقي في مهبّ التغيير الرقمي
اكرم سالم
ليس من السهل أن نفهم كيف يمكن لمشروع وطني أن يتحول، خلال سنوات قليلة، من إنجاز رقمي يستحق الإشادة إلى ملف يثير القلق والتساؤلات المشروعة. فالقضية هنا لا تتعلق بمجرد تغيير موقع إلكتروني أو استبدال منصة بأخرى، بل تمس جانبًا مهمًا من قاعدة البيانات العلمية والأكاديمية، ومن الذاكرة العلمية العراقية، فضلًا عن مصير آلاف البحوث التي أنجزها أساتذة وباحثون عراقيون على مدى سنوات طويلة.
اطلاق موقع
ففي الثاني من أيلول عام 2020، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إطلاق موقع المجلات الأكاديمية العراقية IASJبوصفه مشروعًا وطنيًا يهدف إلى فهرسة المعلومات والبحوث العلمية والأكاديمية وحفظها واسترجاعها، وإتاحة الروابط والنصوص البحثية للباحثين. وكان الموقع، بحسب ما أعلنته الوزارة آنذاك، يضم آلاف البحوث العلمية المنشورة في مجلات أكاديمية محكّمة، صادرة عن عشرات المؤسسات الأكاديمية العراقية.
وتكمن خطورة المسألة في أن المشكلة لا تتعلق بالباحث الحالي وحده. فاختفاء بحث منشور قبل سنوات قد يعني ضياع مصدر يحتاج إليه طالب دراسات عليا، أو انقطاع سلسلة من الاستشهادات العلمية، أو تعذر التحقق من تاريخ فكرة أو نتيجة بحثية، أو صعوبة الوصول إلى الإنتاج العلمي لأستاذ أو جامعة أو مجلة كاملة. وهذا يعني أن تعطيل الوصول إلى الأرشيف العلمي هو، في جانب منه، تعطيل للذاكرة المؤسسية للجامعة العراقية.
ولا ينبغي أن يتحول هذا النقاش إلى اتهام أشخاص أو جهات. ولكن من حق المجتمع الأكاديمي أن يطرح أسئلة مشروعة وواضحة على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ودائرة البحث والتطوير، من بينها: لماذا جرى تغيير المنصة بهذه الصورة الصادمة والمشوشة؟ وما الدراسة الفنية التي سبقت اتخاذ القرار؟ وأين النسخة الاحتياطية الكاملة من أرشيف المنصة الأكاديمية البحثية السابقة؟ وهل نُقلت جميع البيانات والبحوث والبيانات الوصفية (Metadata) والروابط بصورة سليمة؟ وما الخطة الرسمية لضمان الوصول الدائم إلى التراث البحثي العراقي وحمايته من الفقدان والتبعثر؟
هذه ليست أسئلة تقنية فحسب، بل هي أسئلة تتصل بالمسؤولية العلمية والأمانة العلمية الوطنية.
وإذا كانت المنصة الجديدة أفضل بالفعل، فليكن ذلك موثقًا بالأرقام ومؤشرات الأداء، لا بالانطباعات. أما إذا كانت هناك نواقص، فالمطلوب ليس الدفاع عن منصة قديمة لمجرد أنها قديمة، وإنما العمل على تطوير المنصة الجديدة، وإعادة بناء جسور الوصول إلى الأرشيف السابق، وربط المنصتين، أو دمج محتوياتهما بطريقة تضمن عدم ضياع أي بحث أو سجل علمي.
تحول رقمي
وقد أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي خلال عام 2025 استمرارها في تطوير المجلات العلمية العراقية الاكاديمية وتعزيز حضورها في المستوعبات الدولية، فضلًا عن توجهها نحو التحول الرقمي وتطوير منصات إدارة البحث العلمي. وهذا يجعل قضية الأرشفة العلمية أكثر إلحاحًا، لا أقل.
اذ ان المؤسسة الاكاديمية العراقية لا تبدأ نتاجها البحثي العلمي من الصفر كلما تغيرت منصة رقمية إلكترونية. فالمنصات تتغير، والبرمجيات تتطور، والواجهات تُستبدل، لكن البحث العلمي المنشور لا ينبغي أن يموت أو يصبح مجهولًا لمجرد تقادم النظام الذي حُفظ فيه.
إن إنقاذ الأرشيف العلمي والأكاديمي العراقي، وإتاحة محتواه للباحثين بصورة مستقرة وموثوقة، ليس ترفًا تقنيًا، بل واجبً مؤسسيً وطنيً. وإذا كان جزء من هذا التراث قد أصبح بالفعل صعب الوصول إليه وبشكل مشوش، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا لم يعد فقط: لماذا أُلغيت المنصة السابقة؟ بل أصبح السؤال الأهم: من المسؤول عن حماية ذاكرة البحث العلمي العراقي من الضياع والتبعثر؟
□ استاذ ادارة استراتيجية ونظم معلومات