نبش بمقبرة الغرباء
علي السوداني
كنا هيأنا أنفسنا لعمل سهرة وداع جميلة للشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي قبل رحلته النهائية من عمّان إلى دمشق . نحن مجموعة غاليري الفينيق الذي زرعتنا سنوات لذيذة على سور مائدة أبي علي وكان الأكرم منا جميعاً . قبل الميعاد بساعة هلًّ على المكان واحدٌ من أقدم أصدقاء البياتي في المرحلة الأسبانية الطويلة وبعد فنجان قهوة ودستة سجائر متصلة قال الضيف إن ليلتنا ستكون بفندق عمرة الفخم وهي على شرف وداع الشاعر والذين معه .
تحسس المفلسون جيوبهم وبصموا على المقترح بهز الرقاب وبركات المصادفة الحسنة فولدت إحدى أجمل الليالي قبل الغياب الكبير .
بعد انفناء نحو سنة كبيسة على جمعة العشاء والكأس الأخير ، مات الشاعر الغريب بدمشق ، ودفن فيها على مبعدة شهقة صوفيةٍ من ضريح شيخه كما سمّاه محيي الدين بن عربي وقيل إن اسم المكان كان مقبرة الغرباء !!
مات وحيداً راسخاً فوق كرسيٍّ معتزل ، وأكاد أنصتُ اللحظة إليه وهو يطلق ضحكته ، على وقْع أقدام ملك الموت المتجول في الدار . كنتُ معه جداً بسنواته المتأخرات في عمّان ، وخريطة طريقه اليومية التي تبدأ بعصرية غاليري الفينيق ، وتنتهي بمساء حانة الياسمين الطيبة ، وصخب الشعر وضجيج الصحب المصطفين وهم يسوّرون مائدته .
أستعيد الليلة مقترح مرثيته الموجعة المشجنة للعباس بن الأحنف قال دام ذكره :
أظلمتْ حاناتُ بغدادَ
فلا جدوى
وعباسُ من الحبِّ يموت