الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خرائط اليوم التالي للحرب.. كيف سيدفع العراق فاتورة السيناريوهات الثلاثة ؟

بواسطة azzaman

خرائط اليوم التالي للحرب.. كيف سيدفع العراق فاتورة السيناريوهات الثلاثة ؟

كاظم نزار الركابي

 

بعد اسبوعين فقط، تجاوزت حرب الخليج الأخيرة مرحلة النيران المفتوحة، لتدخل في اطار «هندسة النتائج»، فالقوى المتحاربة غادرت مربع تبادل استعراض القوة، وبدأت فعلياً برسم خرائط “اليوم التالي” لشرق أوسط جديد، تُقتلع فيه جذور أنظمة، وتستحدث فيه حدود قسرية.

حرب الخليج الاخيرة لم تكن كسابقتيها، اللتين جرت معاركهما بين العراق واميركا فقط، اذ حولتها ايران الى حرب اقليمية، بعد ان قصفت صواريخها دول الخليج العربي، انطلاقا من مبدأ علي وعلى اعدائي.

الأخطر، ان القصف الايراني لدول الاقليم، ادين من دول مجلس الأمن بالاجماع، مما زاد في اوار نيران المنطقة الملتهبة، سيما بعد غلق مضيق هرمز، 

في خضم هذا الاضطراب الدولي العنيف، يقف العراق مجرداً من أي درع سيادي يحميه.

ومن هنا يواصل النظام السياسي، الغارق في غيبوبة “الانسداد السريري”، إنكار قوة الترددات التي ضربت اراضيه من الزلزال الذي حدث قريبا جدا منه، متوهماً قدرته على النجاة عبر إصدار بيانات النأي بالنفس أو التخندق خلف أمنيات الحياد، في حين ان حقيقة الأمر تتجاوز هذه المراهقات السياسية العبثية، سيما وان البلاد، غدت الساحة الأكثر انكشافاً امام دفع فواتير تسويات كبرى أو انهيارات شاملة، كما ان وضعها الراهن يجعلها الحلقة الأضعف في سلسلة الغذاء الإقليمية.

القراءة المجردة والعميقة لمسارات الحرب الحالية تضع منطقة الشرق الأوسط، والعراق في القلب منها، أمام ثلاثة سيناريوهات ستراتيجية حاكمة. كل سيناريو يحمل في طياته وصفة جاهزة لإعادة صياغة هيكل الدولة العراقية، وتغيير طبيعة السلطة فيها بقوة الأمر الواقع.

السيناريو الأول:

يتوقع في هذا المسار، ان تنزلق الأطراف المتصارعة نحو حرب استنزاف طويلة الأمد، تستهدف تدمير البنى التحتية، وخنق ممرات الطاقة، وشل قدرات الخصوم الاقتصادية دون الوصول إلى حسم عسكري سريع ومباشر.

انعكاس هذا السيناريو - لو تحقق- على الداخل العراقي يمثل كارثة مطلقة، لأنه سيؤسس لانهيارات متسلسلة، فالدولة الريعية، المعتمدة كلياً على تصدير النفط عبر ممرات بحرية ملتهبة، ستتلقى ضربة اقتصادية مميتة توقف تدفق الإيرادات المالية. وهذا يعني عجز الحكومة المركزية عن تأمين الغطاء المالي، لجيوش الموظفين وشبكات الرعاية الاجتماعية، وبما يفكك بالنتيجة العقد الاجتماعي الهش فوراً، ويسقط ورقة التوت الأخيرة عن شرعية النظام.

صعود دراماتيكي

غياب سطوة المال المركزي سيؤدي حتماً إلى تبخر سلطة بغداد على المحافظات. نحن نتحدث هنا عن انهيار عمودي لمؤسسات الدولة، يتبعه صعود دراماتيكي لـ “أمراء الأزمات” وقادة الفصائل المحلية. ستشهد البلاد تمزقاً سريعاً نحو “كانتونات مسلحة”، تفرض فيها كل قوة سيطرتها المطلقة على الموارد المحلية المتاحة في مناطق نفوذها، بدءاً من مصافي النفط الداخلية، مروراً بالمنافذ الحدودية البرية، وصولاً إلى الجباية القسرية من المواطنين وتأسيس اقتصاديات ظل بديلة عن اقتصاد الدولة المحتضر.

في هذا السيناريو، يتحول العراق من دولة مركزية تعاني الفشل، إلى جغرافية محترقة تتصارع فيها “كيانات الظل” على تأمين قوتها اليومي. هذا التمزق سيخلق فوضى مجتمعية عارمة، تأكل ما تبقى من مدخرات الطبقة الوسطى، وتدفع الملايين نحو موجات نزوح داخلية وخارجية، محولةً البلاد إلى بؤرة استنزاف تأكل أبناءها بانتظار نهاية حرب لا تبدو قريبة. انقطاع سلاسل التوريد وانهيار قيمة العملة الوطنية سيجعلان من الحصول على الغذاء والدواء معركة يومية قاسية تطيح بكل القيم المجتمعية المتوارثة.

السيناريو الثاني:

يتبلور هذا المسار في نجاح الآلة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في توجيه ضربات شلل كاملة للقدرات التسليحية والاقتصادية لخصمها، وفرض واقع إقليمي جديد يعتمد على الردع الخشن. واشنطن، المحكومة بإدارة براغماتية صارمة، ستتجه فوراً نحو فرض وسائل تحقق لها الوصاية على الاقليم بذريعة حماية منابع الطاقة وممرات النفط وطرق التجارة الدولية من أي تهديد مستقبلي.

نسخة هذا السيناريو المخصصة للعراق تحمل عنوان “الوصاية الستراتيجية العارية”. الإدارة الأمريكية اتخذت قراراً حاسماً بإنهاء حقبة “المناطق الرمادية” وازدواجية السلاح في الساحة العراقية. واشنطن ستضع الطبقة السياسية الحاكمة أمام خيارين صفريين، أحلاهما علقم: التفكيك الكامل لجميع الفصائل المسلحة والاندماج الصارم في المنظومة الأمنية والمالية الغربية، أو مواجهة المقصلة الاقتصادية المتمثلة بحظر الدولار وعزل النظام المصرفي العراقي عالمياً بنحو ينهي وجود الدولة مالياً ويحولها إلى كيان منبوذ.

الخضوع لهذا المسار سيعني النهاية الفعلية لـ “الأوليغارشية” السياسية بصيغتها الحالية المألوفة. سنشهد صعوداً إجبارياً لقيادات تكنوقراط أمنية واقتصادية تحظى بغطاء دولي مباشر، تتولى إدارة البلاد بقبضة حديدية مدعومة بتفويض أمريكي صريح. المحاصصة الطائفية التقليدية، التي نخرت جسد الدولة لعقدين، ستُسحق تماماً تحت أقدام الضرورات الستراتيجية الدولية. سيتم تحجيم نفوذ “البيوتات السياسية” الكلاسيكية وتحويلها إلى هياكل فارغة منزوعة القدرة، في مشهد سياسي يُدار بالكامل وفق قواعد هندسة الأمن الإقليمي الجديد، وبما يعني تواري السيادة الوطنية خلف هيمنة المصالح الدولية الكبرى على النفط، وتدفقه بأمان تام بعيداً عن أية اضطرابات داخلية.

السيناريو الثالث:

يتحقق هذا السيناريو المرجح بشدة في حال أثبتت الأطراف المستهدفة قدرة استثنائية على امتصاص الضربات، ونجحت في توجيه ضربات ارتدادية قاسية تهدد المصالح الغربية الكبرى ومصادر الطاقة العالمية. بلوغ هذه النقطة سيخلق حالة من “توازن الرعب الصفري”، تجبر المجتمع الدولي على التدخل الفوري لفرض تسوية اضطرارية قاسية، تجنباً لانهيار الاقتصاد العالمي واندلاع حرب عالمية ثالثة تأكل الأخضر واليابس.

التسويات الكبرى في تاريخ الحروب تُبنى دائماً على مبدأ تقاسم مناطق النفوذ لضمان فك الاشتباك الدائم ومراقبة خطوط التماس.

الانعكاس المباشر لهذه التسوية الدولية - لو حدثت – يتمثل بتحويل البلاد الى كانتونات جيوسياسية، أو ما أصطلح عليه بـ “الفدرالية العقابية”.

 القوى العظمى ستتفق على تحويل الخريطة العراقية إلى مناطق عازلة معترف بها دولياً وإقليمياً، لفصل المحاور المتصارعة وضمان عدم الاحتكاك المباشر مجدداً.

فدرالية دستورية

هذا التحول المرعب يتجاوز مفهوم الفدرالية الدستورية الطوعية، ليفرض تقسيماً جغرافياً صارماً بقوة الإرادة الدولية المحضة ومباركة إقليمية. الإقليم الكردي سيُمنح صلاحيات كونفدرالية واسعة تقترب من الاستقلال المبطن، مدعومة بحماية جوية واقتصادية مطلقة تضمن استمرار دوره كمنطقة استقرار آمنة. المحافظات السنية ستُدفع قسراً نحو تشكيل إقليم متماسك يمثل منطقة عزل ستراتيجية، ترتبط اقتصادياً وأمنياً بمحيطها العربي، لقطع الطريق البري بين الشرق والغرب وعزل الجغرافيات الملتهبة.

أما المحافظات الشيعية والجنوبية، فستُترك لإدارة نفسها في ظل هيمنة القوى التقليدية، مع فرض قيود دولية صارمة وشديدة القسوة على تسليحها ومنافذها ومواردها المالية وحركتها التجارية. سيتحول المركز في بغداد إلى عاصمة شرفية باهتة، تدير بروتوكولات خارجية بلا أية سيادة حقيقية أو سيطرة فعلية على الأطراف. هذا السيناريو يمثل شهادة الوفاة الرسمية لفكرة “الدولة الوطنية الموحدة”، ويستبدلها بجزر متجاورة تتربص ببعضها البعض، وتخضع لتوجيهات العواصم الإقليمية والدولية.

رسالة مكشوفة و”لحظة تأسيس ثانية

تتسارع عجلة التأريخ خارج حدودنا بجنون، وتُطبع خرائط المنطقة الجديدة في مطابع الحروب الكبرى، بينما يواصل العقل السياسي العراقي ممارسة هوايته المدمرة في إنكار الواقع والانفصال عن محيطه الجيوسياسي. النخبة الحاكمة تدير أزمة وجودية بمنطق المتاجرة البرلمانية العقيمة، وتتشاجر بشراسة على مقاعد خشبية في سفينة تتجه بأقصى سرعتها نحو الارتطام بحائط الجليد الإقليمي، غير مدركة لحجم الكارثة المحدقة.

الانتظار في غرف الإنعاش السياسي لم يعد خياراً متاحاً في قاموس الدول الباحثة عن البقاء. الزمن المتبقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيكل الدولة يتلاشى بسرعة تفوق التصور البشري. هنا، نضع الطبقة السياسية برمتها أمام حقيقة رياضية قاطعة لا تقبل التأويل والمراوغة: جدران المنطقة الخضراء المحصنة لن تقيكم ارتدادات هذا الزلزال العنيف، والتحالفات الخارجية التي تعولون عليها مشغولة بحماية أمنها القومي ولن تلتفت إليكم في لحظة الحسم. الثروات التي كُدست في الداخل والخارج ستتبخر قيمتها أمام انهيار الأنظمة المصرفية، والمناصب التي تتصارعون عليها ستتحول إلى أهداف مكشوفة في ساحات حرب لا ترحم. الحل الوحيد لتجنب الإبادة السياسية الشاملة يكمن في إحداث هزة وطنية استثنائية، تُسقط حسابات المحاصصة الضيقة، وتُنتج حكومة إنقاذ وطني مصغرة تحتكر قرار السلم والحرب بقوة الدستور، وتعلن حالة الطوارئ الاقتصادية الشاملة لتحصين الجبهة الداخلية ومواجهة طوفان التغيير القادم، فالعراق، بصفته عمقاً حضارياً ضارباً في جذور التأريخ الإنساني، يمتلك “جينات بقاء” قادرة على قهر أعتى العواصف والنهوض من تحت ركام الحروب. هذه الأزمة الوجودية الخانقة تمثل، في جوهرها القاسي، فرصة تاريخية نادرة لإحداث الصدمة الكهربائية الكفيلة بإيقاظ الضمير الجمعي العراقي من سباته العميق.

الجوع، والخطر الداهم، والشعور الجمعي باقتراب النهاية الحتمية للدولة، تشكل محفزات قوية قادرة على إذابة الفوارق الطائفية والمناطقية المصطنعة التي استثمرت فيها قوى الفساد طوال عقدين من الزمن. الشعب العراقي، بكل مكوناته، يمتلك القدرة الكاملة والمشروعة على تحويل الكارثة الى “لحظة تأسيس ثانية” لبناء دولة وطنية حقيقية متماسكة الأركان. الاصطفاف الشعبي الواعي خلف خيار الدولة المؤسساتية، ورفض الارتهان لأجندات الخارج التدميرية، سيفرض حتماً معادلة جديدة تعيد العراق إلى موقعه الطبيعي كدولة مهابة الجانب، قادرة على حماية حدودها، وتأمين رغيف أبنائها، تتجاوز “الانسداد السريري” نحو صناعة مستقبل مشرق يليق بصناع الحضارة ورواد التأريخ.

 

 


مشاهدات 53
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/03/16 - 11:16 PM
آخر تحديث 2026/03/17 - 12:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 61 الشهر 14021 الكلي 15006090
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير