كوميديا السياسة السوداء
حسن الحيدري
هناك افلام تبقى في الذاكرة لانها لا تحكي قصة زمنها فقط بل تترك سؤالا مفتوحا لكل زمن ومن بين هذه الافلام فيلم احنا بتوع الاوتوبيس الذي عرض عام 1979 بطولة عادل امام وعبد المنعم مدبولي واخراج حسين كمال وقد تناول قصة جابر ومرزوق وهما مواطنان عاديان يجدان نفسيهما في المعتقل بعد مشاجرة داخل حافلة ثم تتطور الاحداث بصورة مأساوية بعدما يتم التعامل معهما وكأنهما متهمان سياسيان رغم انهما لا علاقة لهما بما يجري حولهما الفيلم في جوهره ليس مجرد فيلم سياسي ولا مجرد دراما عن المعتقل بل هو صورة عن اللحظة التي يفقد فيها المواطن قدرته على فهم ما يجري حوله بكوميديا سوداء فجابر ومرزوق لا يعرفان لماذا اعتقلا وكل ما يستطيعان قوله هو انهما اصحاب الحافلة وليس اصحاب قضية سياسية
وهنا تأتي المفارقة عندما ننتقل من شاشة السينما المصرية الى المشهد العراقي
في العراق ظهرت خلال عام 2026 حملة لملاحقة متهمين بقضايا فساد شملت نوابا ومسؤولين وقد نقلت تقارير في يونيو حزيران عن السلطات المختصة اعتقال 47 متهما في هذه القضايا مع استمرار الملاحقات في بغداد وعدد من المحافظات
وهنا يمكن للمتابع العراقي ان يتذكر عنوان الفيلم بطريقة مختلفة في الفيلم كان المواطن يقول نحن بتوع الاوتوبيس اما في المشهد العراقي فإن السؤال يصبح من هو بتاع المال العام ومن هو المسؤول عن ضياع حقوق الناس المقارنة هنا ليست بين جريمة وجريمة ولا بين المعتقل السياسي والمتهم بالفساد فهما حالتان مختلفتان تماما لكن التشابه الرمزي يكمن في فكرة واحدة وهي ان الدولة عندما تتحرك تجاه شخص ما يجب ان يكون القانون هو الفيصل وليس النفوذ ولا الشهرة ولا المنصب اذا كان المواطن العادي يمكن ان يجد نفسه في الفيلم داخل المعتقل بسبب خطأ او اتهام لا علاقة له به فإن المسؤول العام يفترض ان يكون اكثر التزاما بالقانون لان المنصب ليس حصانة من المساءلة
ومن هنا تصبح قضية اعتقال المتهمين بالفساد اكبر من اسماء النواب والمسؤولين
السؤال الحقيقي هو هل تتحول محاربة الفساد الى مسار قانوني مستمر ام تبقى مجرد حملات تظهر في وقت وتختفي في وقت آخر فالفيلم يذكرنا بخطورة الاعتقال عندما يتحول الى اداة بلا عدالة والمشهد العراقي يضع امامنا سؤالا معاكسا وهو خطورة ترك الفساد بلا مساءلة بين الاثنين توجد كلمة واحدة هي القانون فلا ينبغي ان يعاقب انسان بريء لمجرد الاشتباه ولا ينبغي ان يكون المنصب سببا لحماية من تثبت عليه جريمة
ولهذا فإن مشاهدة احنا بتوع الاوتوبيس اليوم قد تجعل المشاهد العراقي يقرأ الفيلم من زاوية جديدة في الماضي كان السؤال من اعتقل الابرياء واليوم يمكن ان يكون السؤال من يحاسب الذين يثبت عليهم الاعتداء على المال العام وبين السؤالين تبقى الدولة العادلة هي التي تعرف الفرق بين المواطن البريء والمتهم وتمنح الاثنين حقهما الكامل في القانون لان العدالة لا تكون بالانتقام من الفاسد ولا بحماية الفاسد العدالة ان يكون القانون اقوى من الجميع.