الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أوراق القوة الإيرانية والأمريكية في حرب الشرق الأوسط الأخيرة

← بواسطة azzaman

أوراق القوة الإيرانية والأمريكية في حرب الشرق الأوسط الأخيرة

 هاشم الشماع

 

لم تكن الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، ولم تكن صراعاً محدوداً حول منشأة نووية أو برنامج صاروخي. فقد كشفت تطورات الأشهر الماضية أن الشرق الأوسط دخل مرحلة مختلفة من الصراع، أصبحت فيها القوة العسكرية مرتبطة بالطاقة والممرات البحرية والاقتصاد والتحالفات والقدرة على تحمّل الحرب بقدر ارتباطها بالطائرات والصواريخ.

ومن هنا فإن قراءة الحرب لا ينبغي أن تتوقف عند عدد الضربات أو حجم الدمار، بل يجب أن تتجه إلى السؤال الأهم: ما أوراق القوة التي امتلكتها إيران؟ وما أوراق القوة التي امتلكتها الولايات المتحدة؟ وكيف استخدم كل طرف هذه الأوراق؟

الحرب أظهرت أن واشنطن تمتلك تفوقاً هائلاً في القوة العسكرية والتكنولوجيا والقدرة على العمل بعيداً عن أراضيها، بينما تمتلك طهران مجموعة مختلفة من أدوات القوة، أهمها الجغرافيا، والصواريخ والطائرات المسيّرة، وشبكة العلاقات المسلحة والسياسية في المنطقة، فضلاً عن قدرتها على التأثير في أمن الطاقة والممرات البحرية.

القوة الأمريكية: السماء والتكنولوجيا والانتشار

أولى أوراق القوة الأمريكية كانت واضحة منذ اللحظة الأولى: التفوق الجوي والتكنولوجي.

الولايات المتحدة لا تحتاج إلى نقل حربها إلى أراضيها. فهي تستطيع استخدام القواعد والقوات البحرية والطيران الاستراتيجي وشبكات الاستطلاع والاستخبارات الموجودة في مناطق مختلفة من العالم. وهذا يمنح واشنطن قدرة على توجيه ضربات بعيدة المدى، وجمع المعلومات، وإعادة توزيع قواتها بسرعة.

والأهم من ذلك أن القوة الأمريكية ليست قوة عسكرية فقط؛ إنها منظومة متكاملة تجمع بين الأقمار الصناعية والاستخبارات والطيران والأساطيل والقواعد والتحالفات والقدرة المالية.

وقد ظهر ذلك بوضوح في استهداف المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية خلال الحرب. لكن التجربة نفسها أظهرت حدود القوة الجوية أيضاً، إذ إن الضربات يمكن أن تلحق أضراراً كبيرة بالبنية التحتية، لكنها لا تضمن بالضرورة إنهاء القدرات التي تمتلك معرفة بشرية ومؤسساتية متراكمة. وقد أشارت تقارير استخبارية أمريكية أولية في حرب 2025 إلى أن الضربات على المنشآت النووية الإيرانية أخّرت البرنامج ولم تدمر قدراته بالكامل، وهي تجربة مهمة عند تحليل حدود القوة العسكرية.

الاقتصاد والعقوبات: الورقة الأمريكية الأكثر استمراراً

إذا كانت الصواريخ والطائرات هي الورقة العسكرية الأمريكية، فإن الاقتصاد والدولار والعقوبات يمثلان الورقة التي يمكن أن تستمر بعد توقف القصف.

واشنطن تستطيع الضغط على صادرات النفط، والمؤسسات المالية، والتحويلات، والشركات التي تتعامل مع إيران، كما تستطيع استخدام وزنها في النظام المالي الدولي للحد من قدرة طهران على الوصول إلى الأسواق.

وهذه الورقة لا تحتاج إلى طائرة مقاتلة واحدة.

لكنها في الوقت نفسه ليست ورقة بلا ثمن. فالعقوبات الطويلة الأمد يمكن أن تضعف الاقتصاد الإيراني، لكنها قد تدفع إيران أيضاً إلى البحث عن طرق بديلة للتجارة، وتعميق علاقاتها مع الصين وروسيا، وتوسيع اقتصادها غير المباشر.

ولهذا فإن العقوبات قد تضغط على الدولة، لكنها لا تعني بالضرورة قدرتها على تغيير سلوكها السياسي أو الاستراتيجي بصورة فورية.

إيران والجغرافيا: عندما تتحول الأرض إلى سلاح

في المقابل، تمتلك إيران ورقة لا تستطيع الولايات المتحدة امتلاكها: الجغرافيا.

إيران دولة كبيرة تمتد على مساحة واسعة، وتملك سواحل طويلة على الخليج، وتشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز.

وهنا تتحول الجغرافيا إلى عنصر من عناصر القوة.

فالولايات المتحدة تستطيع أن تصل إلى إيران عسكرياً، لكن إيران تستطيع أن تجعل تكلفة الصراع تمتد إلى المنطقة كلها، خصوصاً عندما يصبح أمن الملاحة والطاقة جزءاً من المعركة.

ولهذا ارتبطت الحرب الأخيرة بمضيق هرمز ارتباطاً مباشراً، حتى أصبح فتحه وإغلاقه أو ضمان حرية الملاحة فيه جزءاً من المفاوضات السياسية وليس مجرد مسألة بحرية.

وتشير تقارير حديثة إلى أن إيران هددت وأقدمت على خطوات مرتبطة بالسيطرة على حركة الملاحة في المضيق، بينما فرضت الولايات المتحدة بدورها ضغوطاً وحصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.

وهنا تكمن المفارقة:

أمريكا تملك القدرة على ضرب إيران، وإيران تملك القدرة على جعل الحرب مشكلة عالمية.

الصواريخ والطائرات المسيّرة: ورقة الرد غير المتكافئ

لا تستطيع إيران منافسة الولايات المتحدة في عدد الطائرات أو حاملات الطائرات أو حجم الإنفاق العسكري.

لكنها لا تحتاج إلى ذلك حتى تجعل الحرب مكلفة.

الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة تمنح طهران قدرة على توجيه ضربات إلى مسافات بعيدة، كما تمنحها وسيلة لفرض معادلة مختلفة: ليس المطلوب أن تنتصر على القوة الأمريكية في مواجهة تقليدية، بل أن تجعل تكلفة استخدام القوة الأمريكية مرتفعة.

وهذه هي فلسفة الردع غير المتكافئ.

فالطرف الأضعف عسكرياً يستطيع أحياناً أن يمنع الطرف الأقوى من تحقيق أهدافه الكاملة إذا استطاع أن يجعل تكلفة الحرب السياسية والاقتصادية والأمنية مرتفعة.

شبكة الحلفاء والنفوذ الإقليمي

من أهم أوراق إيران أيضاً شبكة القوى الحليفة لها في الشرق الأوسط.

هذه الشبكة لا ينبغي اختزالها في بعدها العسكري فقط؛ فهي تضم علاقات سياسية واجتماعية وأمنية متفاوتة في العراق ولبنان واليمن وساحات أخرى.

وقد أصبحت هذه الشبكة خلال الحرب جزءاً من حسابات واشنطن وطهران، لأن أي مواجهة مباشرة بين البلدين يمكن أن تتحول بسرعة إلى مواجهات متعددة الساحات.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة الإيرانية: القدرة على توزيع الصراع جغرافياً.

لكن هذه الورقة ليست مطلقة أيضاً.

فالقوى الموجودة في الدول الأخرى لها حساباتها الوطنية والمحلية، وليس من الصحيح افتراض أن جميعها تتحرك بالطريقة نفسها أو في التوقيت نفسه. كما أن استخدام هذه الشبكات قد يوسع الحرب، لكنه قد يضع إيران أمام ضغوط سياسية وأمنية إضافية.

العراق بين الورقتين

لا يمكن فهم الحرب الأخيرة من دون التوقف عند العراق.

فالعراق يقع في قلب الجغرافيا التي تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والأمريكية. وقد كان لسنوات طويلة إحدى أهم ساحات التنافس بين الطرفين.

ومع خروج القوات الأمريكية من العراق في 2026، تغير أحد عناصر المعادلة الإقليمية. فقد اعتبرت طهران والقوى المتحالفة معها الانسحاب تحولاً مهماً، في حين حذرت أطراف أخرى من أن تقليص الوجود الأمريكي قد يخلق فراغاً أمنياً أو يزيد من نفوذ قوى إقليمية.

وهنا لا بد من القول إن العراق ليس مجرد ساحة للصراع بين واشنطن وطهران.

العراق دولة ذات مصالح وسيادة وقرار وطني، وأي محاولة لتحويله إلى مجرد ورقة في صراع الآخرين ستضعف قدرته على حماية مصالحه.

النفط: الورقة التي تخيف الجميع

ربما كانت أخطر أوراق الحرب هي الطاقة.

فالشرق الأوسط ليس مجرد منطقة عسكرية؛ إنه قلب أساسي من قلوب سوق الطاقة العالمية.

وأي اضطراب في مضيق هرمز لا يبقى محصوراً بين إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، بل يصل أثره إلى أوروبا وآسيا والأسواق العالمية.

ولهذا ارتبطت الحرب بأسعار النفط وحركة الناقلات والتأمين والنقل البحري. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن استمرار الأزمة حول هرمز انعكس على أسعار الطاقة والأسواق العالمية.

ومن هنا يمكن فهم واحدة من أهم المعادلات في الحرب:

إيران لا تحتاج إلى السيطرة على الاقتصاد العالمي حتى تؤثر فيه؛ يكفي أن تهدد أحد ممراته الحيوية.

الدبلوماسية: عندما تتحدث القوة بلغة التفاوض

المفارقة أن الحرب، رغم شدتها، أعادت الطرفين في النهاية إلى طاولة التفاوض.

وهذا يكشف حقيقة مهمة: لا تستطيع القوة العسكرية وحدها إنتاج تسوية سياسية مستقرة.

فإيران دخلت المفاوضات وهي تمتلك أوراقاً مرتبطة بالطاقة والممرات البحرية والقدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي، بينما دخلت الولايات المتحدة وهي تمتلك العقوبات والقوة العسكرية والتفوق التكنولوجي والقدرة على الضغط الاقتصادي.

وفي أيلول/سبتمبر 2026 طرحت طهران مقترحات لإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات، فيما استمرت الخلافات حول العقوبات والبرنامج النووي والضمانات وشروط وقف القتال.

وهذا يعني أن الحرب لم تُلغِ السياسة، بل أعادت تعريف شروطها.

من يملك القوة الأكبر؟

السؤال الأكثر تداولاً بعد كل حرب هو: من انتصر؟

لكن هذا السؤال قد يكون مضللاً إذا استخدمناه وحده.

فالولايات المتحدة تملك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً واضحاً، وتمتلك شبكة تحالفات وقدرة عالمية على نشر القوة.

وفي المقابل، تمتلك إيران قدرة على تحمل الضغوط، وجغرافيا استراتيجية، وترسانة صاروخية ومسيّرات، ونفوذاً إقليمياً، وقدرة على التأثير في أمن الطاقة والممرات البحرية.

وبالتالي فإن الطرفين يمتلكان أنواعاً مختلفة من القوة.

القوة الأمريكية أكثر تفوقاً في الحرب التقليدية بعيدة المدى، بينما تملك إيران أدوات تجعل إدارة الحرب أكثر تعقيداً وأعلى كلفة.

وهنا تكمن خلاصة التجربة.

الحرب التي لم تنتهِ بانتهاء القصف

إن أخطر ما كشفته الحرب الأخيرة هو أن الصراع الأمريكي ـ الإيراني لم يعد مجرد صراع على برنامج نووي.

إنه صراع على شكل الشرق الأوسط نفسه.

هل يكون الشرق الأوسط منطقة أمنية تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها؟

أم يتحول إلى نظام إقليمي متعدد القوى تستطيع فيه إيران وتركيا ودول الخليج وروسيا والصين وغيرها التأثير في توازناته؟

هذا السؤال أكبر من نتائج معركة عسكرية.

فالولايات المتحدة تستطيع أن تدمر منشأة، وتعطل قاعدة، وتفرض حصاراً، وتضغط اقتصادياً.

وإيران تستطيع أن تعيد بناء جزء من قدراتها، وتستثمر الجغرافيا، وتستخدم الصواريخ والمسيّرات، وتوظف نفوذها الإقليمي، وتستفيد من حاجة العالم إلى استقرار الطاقة.

ولهذا فإن الحرب الأخيرة لم تكشف فقط قوة كل طرف، بل كشفت حدود القوة أيضاً.

فالولايات المتحدة اكتشفت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نهاية سياسية للصراع.

وإيران اكتشفت أن امتلاك أوراق الردع لا يعني القدرة على منع الخصم من الوصول إلى أراضيها أو فرض كلفة اقتصادية كبيرة عليها.

وبين هاتين الحقيقتين يقف الشرق الأوسط كله.

فالمنطقة لم تعد مجرد مسرح للحرب؛ إنها أصبحت جزءاً من أدوات الحرب نفسها.

ومن هنا فإن المعركة المقبلة، إن وقعت، قد لا تبدأ بصاروخ.

قد تبدأ بسعر النفط، أو بمضيق بحري، أو بعقوبة اقتصادية، أو بهجوم سيبراني، أو بتحالف سياسي جديد، أو حتى بورقة تفاوضية توضع على طاولة لا يسمع صوتها إلا بعد أن تتغير موازين القوة.

 


مشاهدات 52
الكاتب  هاشم الشماع
أضيف 2026/10/03 - 4:01 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 5:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 402 الشهر 3638 الكلي 16588807
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير