سنجار بعد الإبادة.. تجربة حوار وتعايش
شراكة مجتمعية تمتد لمئات السنين
رجاء حميد رشيد
لطالما راودتني الرغبة والشوق لزيارة مدينة سنجار، لأسباب عدّة، منها التمتّع بجمال أجوائها وطبيعتها الخلّابة، والتعرّف على أهلها الطيبين الذين تعرفت على بعضهم من خلال عملي الصحفي، لكن السبب الأهم هو أن دخول مدينة سنجار أصبح صعبًا منذ سيطرة تنظيم داعش الإرهابي عليها عام 2014، ثم تحريرها في عام 2017.
ومع ذلك، أتاح لي مخيم «بالحوار نرتقي» الذي أطلقته مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية فرصةً ذهبية لزيارة المدينة، بل ومُعايشة أهلها الطيبين والأصيلين لمدة أربعة أيام، وذلك خلال مشاركتي في المخيم ضمن برنامج التربية على الحوار ومعرفة الآخرفي بداية العام الحالي.
ما زلت أذكر لحظات دخولنا إلى سنجار والاستقبال الحار الذي حظينا به من عائلتين كريمَتين: عائلة موسى إسماعيل المسلمة، والسيد داود حجي إسكندو الإيزيدية، حيث اجتمع شباب العائلتين في أجواء مفعمة بالمحبة، وأبدعت نساؤهما في إعداد أشهى الأكلات وألذّ المعجنات.
قدّم موسى إسماعيل شرحًا مفصّلًا عن طبيعة الحياة اليومية في سنجار، وظروف العيش، وأشكال الشراكة المجتمعية بين المسلمين والإيزيديين قبل الإبادة الجماعية التي تعرّضت لها المدينة عام 2014 وبعدها.
فيما، تحدّث داود إسكندو عن أبرز نشاطات سكان المدينة واهتمامهم بزراعة الزيتون والتين وإنتاج زيته، إضافةً إلى تربية النحل وأنواع العسل التي ينتجونها في بساتينهم، مشيرًا إلى رؤيته لمستقبل سنجار.
شملت جلسات المخيم مناقشة التحديات التي تواجه عودة النازحين إلى سنجار، وآليات حلّ النزاعات، ودور الحوار في إعادة التعايش بين سكان المدينة.
كما قدّمت رنا علي حما ملخّصًا عن دور المرأة في سنجار بعد التحرير والإبادة الجماعية التي تعرّض لها الإيزيديون، ووصفت هذا الدور بالمركّب في ظلّ الظروف القاسية والتحديات الصعبة، كفقدان الأهل، وجهل العديد من العائلات بمصير بناتها حتى اليوم، إضافةً إلى مشكلات شحّ المياه والاحتباس الحراري والتصحر، التي تؤثر على كمية ونوعية المحاصيل الزراعية. وأكّدت أن النساء يتحمّلن العبء الأكبر من هذه الضغوط، وأن الوضع النفسي للنساء في سنجار ما يزال غير مستقر، إذ لم تتلقَّ أغلبهنّ برامج علاج ما بعد الصدمة أو تعويضات تساعدهن على تطوير ذواتهن.
وفي صباح اليوم الثاني، بدأنا رحلة تسلّق جبل سنجار من جهة قرية كرسي برفقة شباب المدينة من الرجال والنساء، في مسيرٍ استغرق أكثر من ثلاث ساعات. وخلال الرحلة، استمعنا إلى شرح مفصّل عن الجبل ومعناه الروحي والنفسي لدى الإيزيديين، الذين لجؤوا إليه مرارًا عبر تاريخهم الطويل، وخصوصًا خلال الإبادات الجماعية الأربع والسبعين التي تعرّضوا لها.
كما زرنا مزار معبد لالش الصغير برفقة الدكتور ميرزا دنايي، رئيس مؤسسة بيت التعايش، الذي قدّم وصفًا تاريخيًا وروحيًا للمكان، مبيّنًا قيمته الدينية العميقة. وختمنا اليوم بأمسيةٍ ساحرةٍ فوق الجبل
ورصدنا غروب الشمس عند جبل الايزيدية وسط شرح قدمته الناشطة رنا بلو حول رمزية الشمس في الفلسفة الايزيدية ومكانتها عند الإنسان الايزيدي وقالت:
تقدس الديانة الإيزيدية الشمس (النور) باعتبارها رمزًا للحياة والإشراق الإلهي، بالإضافة الى تقديس عناصر الحياة الاربعة (النور والتراب والهواء والنار)، يمثل تقديس الشمس ارتباطًا بالعقيدة النورانية التي ترى في النور سر الوجود، كما أن الشمس تجلي للخالق وتجسد لرموز مرتبطة بالشمس في معمارهم الديني، وهي قبلة الصلاة، وليست معبودًا. مظاهر تقديس الشمس:
1ـ يتوجه الإيزيديون في صلواتهم نحو الشمس، بوصفها رمزًا للحياة والإشراق الإلهي.
2ـ ترتبط العديد من الأعياد الإيزيدية بالظواهر الفلكية مثل الانقلابين الصيفي والشتوي والاعتدالين الربيعي والخريفي.
3ـ تتجلى قدسية الشمس في العمارة الدينية الإيزيدية، مثل معبد لالش، حيث تُزين القباب برموز مستوحاة من أشعة الشمس وحركتها، مثل «الزنوج» المخروطية التي ترمز إلى أشعة الشمس.
4ـ تعبر الشمس عن عقيدة نورانية ترى أن النور هو سر الوجود، وتجعل من الشمس تجليًا لجلال الخالق.
بعدها خيمنا عند سفح الجبل قرب بيت السيد خالد حجي رشو.
قضينا يومين مع عائلتين من مدينة سنجار،رحّبت بنا عائلة السيد رشو بحرارة، وأقمنا معهم جلسة سمرٍ ودّية تضمنت حوارات ممتعة حول الثقافة الشعبية والموروثات الاجتماعية للطائفة الإيزيدية، إضافةً إلى الحديث عن القيم والمشتركات التي تجمعهم مع العائلات في مدن الوسط والجنوب من العراق.
وفي أجواء الجبل الصافية، نُصب تلسكوب لرصد النجوم والمواكب في السماء، فكانت تجربةً فريدة أضفت على الليلة طابعًا روحانيًا وجماليًا خاصًا.
قضينا الامسية في نشاطات مشتركة، من بينها ورشة أعمال يدوية أقيمت بمشاركة عددٍ من العائلات الإيزيدية، وذلك خلال تجمعٍ جميلٍ في حديقة الناشط الإيزيدي بايزيد خالد.
وتضمنت الورشة صناعة الإكسسوارات والمطرزات التي أبدع المشاركون في تصميمها وإنتاجها، ثم تبادلناها فيما بيننا كتذكارات جميلة.
بعد ذلك، شاركنا في تحضيرات حفلة شواء مميزة، قادتها السيدة هديل برجس خلف التي أعدّت خلطات تتبيلة سنجارية خاصة للدجاج واللحوم، بمشاركة مجموعة من بنات وشباب مناطق خانصور وكرسي وسنوني.
وعلى أنغام الموسيقى والدبكة الإيزيدية التي تعبّر عن الفرح والتراث الأصيل، قدّمنا هدايا تذكارية من المطرزات التي أنتجها المشاركون في مخيمات بغداد والبصرة إلى العائلات التي استضافتنا في سنجار، وقد حملت هذه المطرزات رموزًا إيزيدية وعراقية تجسّد روح التعايش والمحبة.
مقبرة الامهات في منطقة الصولاغ في سنجار (النصب التذكاري حاليا)
زرنا النصب الرمزي للإبادة الجماعية التي تعرّض لها الإيزيديون عام 2014، حيث خيّمت مشاعر الألم والحزن ونحن نطّلع على معاني النصب ورموزه.
استمعنا إلى قصص وشهادات مؤثرة تروي ما واجهه الإيزيديون خلال الإبادة، ووقفنا دقيقة صمتٍ إجلالًا لأرواح الضحايا في المواقع التي شهدت جرائم التنظيم الإرهابي ضد أبناء الشعب الإيزيدي قرب النصب التذكاري.
بعد ان سيطر تنظيم داعش الارهابي على سنجار بقت منطقة كوجو(جنوب مدينة سنجار)، لمدة 15 يوما أي من تاريخ 3/8/2014ـ ولغاية 15/8/2014 بعد هذا التاريخ اقدم تنظيم داعش الارهابي على فصل وعزل النساء عن الرجال في مدرسة كوجو، ومن ثم قتل الرجال ودفنهم في مقابر جماعية اطراف القرية واخذ النساء والفتيات كسبايا، ومن ثم عمل على فصل النساء الكبيرات في السن والاطفال عن الفتيات الشابات وتم اخذ النساء الكبيرات في السن والاطفال الى بناية تسمى المعهد الصناعي التقني في منطقة صولاغ في سنجار وقتلهن و دفنهن هناك، تحتوي مقبر الأمهات على رفات أطفال ومراهقات -ونساء تم إعدامهن بعد أن حددهن داعش على أنهن قد تجاوزن سن الإنجاب، أي أنهن كبيرات في السن ولا يصلحن لأن يتخذن كسجينات.
وتحتوي المقبرة على رفات (71) امرأة و (15) طفلا.
يتكون النصب من ثمانية أعمدة تقف شاهدة على ما حلّ بأتباع الديانة الإيزيدية بعد اجتياح تنظيم داعش لمناطقهم، على كل عمود من هذه الأعمدة، صورة واحدة، ليست خيالاً ولا لأشخاص مجهولين أو غير حقيقيين، بل صور حقيقية وموثقة فوتوغرافيًا، لكلٍ منها قصة تروي ما عانته هذه العائلات وما مرّت به.
في الصور، تظهر امرأة عجوز تحمل طفلًا على كتفها، وشيوخ منهكون يجلسون عطشى تحت حر آب اللاهب، شابٌ يحمل والده المسن، المقعد والمشلول، رغم وعورة الطريق وقساوة الظروف، لم يتخلَّ عنه، رجل آخر يحمل طفله الصغير على كتفه، ويقود بيده طفله الآخر الأكبر.
وتلك المرأة الإيزيدية الحامل، التي خرجت وهي تمسك بيد ابنتها خوفًا من الأسر، الجدة الطاعنة في السن التي فقدت كل عائلتها ولم يبقَ لها سوى الأطفال، حملتهم وخرجت معهم، وشاباتٌ يحاولن إنقاذ والدتهن المسنّة.
كل واحدة من هذه القصص تمثل نموذجًا لما جرى أثناء محاولة الهروب من الإبادة العديد من هذه العائلات نجت، وبعضهم استطاع الوصول إلى جبل سنجار حيث تدخلت الطائرات لإنقاذهم، أو فتحت قوات المقاومة طريقًا لهم نحو الحدود السورية، ليعودوا منها لاحقًا إلى كردستان عبر طريق دهوك، في رحلة هروب من موت محتم داخل الوطن.
قرية خانصور
تجوّلنا بين شوارع وبيوت قرية خانصور في سنجار، بدءًا من البيوت الطينية القديمة، مستطلعين أساليب البناء والتراث العمراني الذي يحمل عبق التاريخ والأصالة، خاصة في المدينة التي يزورها بعضنا لأول مرة، دخلنا هذه البيوت والتقينا بأهلها، وتعرفنا على عاداتهم وتقاليدهم وتفاصيل حياتهم اليومية.
خلال الزيارة، دارت حوارات وسكان المدينة الإيزيديين حول التحديات التي تواجههم بعد العودة من مخيمات النزوح، إضافةً إلى تأثيرات الجفاف وقلة الموارد المائية على الزراعة في المدينة، التي تشتهر بزراعة الحبوب والمحاصيل الموسمية، بالإضافة إلى التين والزيتون كما استمعنا إلى قصص من ذاكرة النزوح ومقاومة إرهابيي داعش أثناء الإبادة الجماعية التي تعرضت لها المدينة عام 2014.
وبهدف تعزيز التعارف والاختلاط أكثر مع الآخر، قضينا ليلة جميلة بضيافة العائلات الإيزيدية التي رحبت بنا بحرارة، كانت هذه التجربة ناجحة في ترسيخ آلية التعارف عن قرب والوصول إلى فهم عميق للآخر، وهو أحد الأهداف الأساسية لبرنامج التربية على الحوار ومعرفة الآخر، الذي أطلقته مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية.
قرية القحطانية
وصلنا إلى قرية القحطانية الواقعة جنوب جبل سنجار، حيث كان في استقبالنا الشيخ خلف دخيل سيدو حمو وعدد من شيوخ ووجهاء وشباب وبنات المدينة.
قدّم الشيخ حمو شرحًا مفصلًا عن واقع الحياة والتعايش بين مكونات المدينة قبل عام 2014 وبعده، مسلطًا الضوء على ما مرت به المنطقة من أحداث وتحديات.
ثم زرنا نصب 14 آب الذي يُخلّد جريمة تفجير الصهريج المفخخ الإرهابية وسط المدينة عام 2007، ووقفنا دقيقة صمتٍ إجلالًا لذكرى الشهيدة جيلان برجس، كما روى السيد إبراهيم تمرى قصة استشهاد جيلان وما يرمز إليه النصب من تضحية وصمودٍ في وجه الإرهاب، ليبقى شاهدًا على مأساة وأملٍ في آن واحد ، بعد سقوط مدينة سنجار في أيدي التنظيم الإرهابي شهر آب 2014 ، اختطفها الإرهابيون من ناحية تل عزيز مع مجموعة كبيرة من النساء والأطفال ، رفضت أن تكون سبية بيد عصابات داعش التكفيرية ، فأقدمت على الانتحار داخل مدرسة في قضاء البعاج، قبل أن يدنس شرفها الطاهر.
بعدها تجوّلنا في أرجاء القرية واطلعنا على البيوت الطينية التي تشكّل جزءًا أصيلًا من هوية القحطانية وتراثها العمراني ثم أُقيمت جلسة تعارفيه مع عدد من عائلات القرية، وحوارات مع نساء القحطانية حول الهوايات والاهتمامات المشتركة.
حوار عن التنوع وقصص الصمود
استقبلتنا عائلة السيد أبو خديدا في قرية القحطانية بحفاوة كبيرة، حيث أمضينا ساعات الظهيرة في أجواء مليئة بالمودة والدفء الإنساني. تبادلنا مع أفراد العائلة وجيرانهم نقاشات وحكايات عن التنوع المجتمعي ودور الحوار في تعزيزه داخل المدينة، إلى جانب قصص الصمود والتكاتف خلال اجتياح العصابات الإرهابية للمدينة ومرحلة الإبادة الجماعية التي تعرّضت لها.
قدّمت سيدات البيت أم إبراهيم، وأم خديدا، وعيشان، وبنات العائلة وليمة عامرة من أشهى الأطباق التي يُعرف بها المطبخ الإيزيدي، عكست كرم الضيافة وأصالة أهل سنجار.
بعد الغداء، روت السيدات القحطانيات تفاصيل مؤثرة عن قصص الصمود والتحدي التي عشنها خلال فترة النزوح والإبادة الجماعية، وعن رحلة العودة إلى المدينة بعد التحرير وما رافقها من مشاعر الأمل والإصرار على الحياة.
وأختتمت زيارتنا بإهداء ابراهيم تمري أسماعيل كتابه الموسوم « انفجارات الإبادة.. انفجارات ناحية القحطانية ومجمع الجزيرة « الصادر عن دار ابنا للنشر والتوزيع نينوى -سنجار لسنة 2022، بواقع 240 صفحة، يوثق المؤلف في كتابة تلك الجريمة البشعة التي تدخل في خانة الإبادة الجماعية والتي سميت بالفرمان(73) ، نفذتها عصابات تنظيم القاعدة الاجرامية بتاريخ 14 اب 2007 ،راح ضحيتها مئات الشهداء والجرحى ، اضافة إلى الخسائر المادية الجسيمة التي تمثلت في هدم وتدمية مئات المنازل .
سجل الباحث شهادات حية عن لحظة وقوع الجريمة وأسماء الشهداء الابرار ضحايا لذلك الفعل الشنيع مستندة بصور الشهداء وصور لأثار الدمار التي خلفتها الانفجارات.
أمسية موسيقية تُحيي التراث الإيزيدي
في مساءٍ هادئٍ من أمسيات خانصور، كنا على موعدٍ مع الجمال والنغم، حيث أقامت الفرقة الخاصة في معهد ميرزو للموسيقى جلسةً موسيقيةً تنبض بالتراث والحنين. صدحت الأصوات الإيزيدية العذبة بأغنياتٍ تراثيةٍ أسرت القلوب، فيما تمايلت الألحان على أنغام الآلات الموسيقية القديمة، وكأنها تحكي حكاية شعبٍ حفظ موسيقاه من غبار النسيان.
منذ ستة أعوام، يواصل معهد ميرزو للموسيقى رحلته في تعليم الفن، فاتحًا أبوابه أمام شباب سنجار وأطفالها، ليمنحهم فسحة أملٍ ومساحة تعبيرٍ تتجاوز الألم. فالموسيقى هنا ليست مجرد ألحانٍ تُعزف، بل لغةُ شفاءٍ وجد فيها أبناء المدينة وسيلتهم للتخفيف من آثار الجراح النفسية التي خلفتها الهجمة الإرهابية حين اجتاح تنظيم داعش سنجار بين عامي 2014 و2017، مرتكبًا أبشع جرائم الإبادة الجماعية.
ومع كل نغمةٍ تُعزف في أروقة المعهد، تُرسم ملامح وعيٍ فنيٍّ جديد للأجيال القادمة، إذ يسعى القائمون عليه إلى ترسيخ التراث الموسيقي الإيزيدي بوصفه أحد أعمدة الثقافة الإيزيدية وذاكرتها الحية.
وخلال زيارتنا، اطلعنا على تاريخ هذا المعهد وأهميته ونشاطاته التي لا تكتفي بإحياء الموسيقى فحسب، بل تبث الحياة في روح مدينةٍ اختارت أن تُقاوم باللحن والنور.
آثار العنف والدمار
بين أطلال المدينة والسوق القديم في مدينة سنجار تجولنا وعلى مدى ساعات الظهيرة حتى المساء بين البيوت ودور العبادة المهدمة، واطلعنا على حجم العنف والارهاب الذي شهدته مدينة سنجار بعد اجتياح تنظيم داعش الارهابي لها، كما زرنا معالم المدينة واثار بوابة الشمس الايزيدية وكنائس المسيحية ومسجد المسلمين في المنطقة ذاتها والتي تجمعها اثار الدمار والمعارك التي مر على نهايتها ثمانية أعوام من دون ان تشهد بداية للإعمار، وما زال سكانها نازحين بين المخيمات في عدة مدن.
ويُذكر أن مدينة سنجار تحتضن ثلاث كنائس تمثل التنوع الديني في المنطقة: كنيسة كاثوليكية، وأخرى أرثوذكسية، وثالثة أرمنية، إلى جانب جامع الرحمن.
سنجار بين الدمار والأمل
أثناء تجوالنا في مركز قضاء سنجار، لفت انتباهي على جدران الأبنية والمحلات المهجورة المهدمة عبارة مكتوبة بالخط العريض «أهلاً وسهلاً بكم، سنجار تنتظر عودتكم»، وكأن المدينة بأكملها تدعو أهلها للعودة إليها.
مررنا بعد ذلك بساحة الشهيد الطيار ماجد التميمي، ابن البصرة الفيحاء (مواليد 1960)، الذي جسّد أسمى معاني الوفاء للوطن في وقت تخاذل فيه البعض وباعوا الأرض، كان أول طيار عراقي يصل بطائرته السمتية إلى جبل سنجار أثناء غزو تنظيم داعش الإرهابي للمنطقة، حاملاً المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، ومقدّمًا المساعدة لإجلاء الإيزيديين المحاصرين في الجبل ونقلهم إلى دهوك.
وفي إحدى المرات، حملت الطائرة أكثر من طاقتها من المحاصرين، فسقطت على الجبل، واستشهد الطيار ماجد التميمي هناك في 12 أب 2014، تاركًا خلفه رمزًا للشجاعة والتضحية والوفاء الذي لن تنساه سنجار أبدًا.