ألتقي صديقًا سويديًا مرتين تقريبًا في الأسبوع في النادي الرياضي. نتحدث، نضحك، ونجد أحيانًا متسعًا لأن نشرب فنجان قهوة معًا.
وفي أحد الأيام، دار الحديث عن والده المسن.
كنت أعرف أن الأب يعيش في منزله، وأن الدولة توفر له الرعاية التي يحتاج إليها، كما يحدث مع كثير من كبار السن في السويد. لكن ما أثار انتباهي أن منزله لا يبعد كثيرًا عن بيت ابنه.
سألته بعفوية:
ـ هل تزور والدك كثيرًا؟
أجابني بأن العمل والعائلة والتزامات الحياة لا تترك له وقتًا كافيًا.
لم يكن في جوابه شيء من القسوة. بل على العكس، أعرف أنه يحب والده. وربما لهذا السبب ظل جوابه عالقًا في ذهني.
وجدت نفسي أفكر: كيف يستطيع الإنسان أن يجد وقتًا للنادي، وللقهوة، وللكثير من تفاصيل يومه، بينما يصبح لقاء أبيه أو أمه أمرًا تؤجله الحياة إلى موعد آخر؟
ثم قلت لنفسي إن القضية ربما أكبر من صديقي، وأكبر من أبيه.
إنها حكاية عالم يتغير.
في المجتمعات الحديثة أصبحت الدولة قادرة على القيام بأدوار كانت الأسرة تتولاها طوال قرون. يأتي موظف الرعاية إلى منزل المسن، وهناك نظام صحي، وأدوية، ومساعدات، وخدمات منزلية، وربما زر صغير يستطيع الكبير أن يضغط عليه إذا احتاج إلى مساعدة عاجلة.
من الناحية العملية يبدو كل شيء منظمًا.
لكن بقي شيء واحد لا تستطيع أكثر الدول تقدمًا أن توفره:
أن يجلس الابن بجوار أبيه دون أن ينظر إلى الساعة.
لا توجد مؤسسة تستطيع أن تمنح الأم شعورًا بأن أبناءها ما زالوا بحاجة إلى سماع صوتها، ولا موظف رعاية يستطيع أن يكون بديلًا عن يد الابنة حين تمسك بيد والدتها.
الدولة تستطيع أن تقدم الرعاية، لكنها لا تستطيع أن تقدم القرابة.
وهنا تذكرت عالمًا آخر جئت منه.
في مجتمعاتنا العربية تبدو الصورة مختلفة تمامًا.
الأب والأم لا ينتهيان من حياة الأبناء عندما يبلغون الثامنة عشرة. بل قد يبدأ فصل جديد من التدخل والرعاية والنصح والخوف.
يبقى الابن، ولو بلغ الثلاثين، ذلك الطفل الذي يريد أبوه معرفة أين ذهب، وما العمل الذي اختاره، ومن سيتزوج، وأين سيسكن، وكيف سينفق ماله.
وقد تكون الابنة طبيبة أو مهندسة أو أستاذة جامعية، لكنها تسمع حتى بعد سنوات طويلة من عمرها العبارة القديمة نفسها:
نحن نعرف مصلحتك أكثر منك.
ليس الأمر دائمًا تسلطًا.
في كثير من الأحيان يكون خلفه حب هائل وخوف صادق وإحساس عميق بالمسؤولية.
فالأم التي حملت طفلها في الليل عندما ارتفعت حرارته، وجلست قرب فراشه حتى الصباح، يصعب عليها بعد عشرين عامًا أن تقتنع فجأة بأن هذا الطفل أصبح إنسانًا مستقلًا لا تحتاج حياته إلى إدارتها.
والأب الذي قضى نصف عمره يعمل من أجل تعليم أبنائه يشعر أحيانًا بأن له حقًا طبيعيًا في اختيار الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه.
وهنا تبدأ المشكلة من الجهة المقابلة.
إذا كان بعض المجتمعات الغربية قد بالغ في استقلال الفرد حتى أصبح الأب أحيانًا وحيدًا رغم وجود أبنائه، فإن بعض أسرنا بالغت في حماية أبنائها حتى أصبح الابن عاجزًا أحيانًا عن العيش دون موافقة الأسرة.
هناك آباء يختارون التخصص الجامعي لأبنائهم.
وآخرون يقررون من يصلح زوجًا أو زوجة لهم.
وقد يمتد الأمر إلى العمل والسكن والمال وتربية الأحفاد.
وباسم المحبة تتحول النصيحة شيئًا فشيئًا إلى وصاية، والخوف إلى رقابة، والحرص إلى تدخل في أكثر تفاصيل الحياة خصوصية.
وبين هذين العالمين يقف المهاجر.
وهنا تصبح الحكاية أكثر تعقيدًا.
فالأب الذي جاء من بغداد أو الموصل أو دمشق أو الرباط يحمل معه صورة للأسرة تشكلت خلال عشرات السنين.
ثم يكبر ابنه في ستوكهولم أو برلين أو أمستردام وهو يسمع منذ طفولته كلمات أخرى:
حياتك.
قرارك.
خصوصيتك.
اختيارك.
فيقول الأب:
نحن عائلة، ولا يجوز أن يقرر أحدنا وحده.
ويرد الابن:
لكنها حياتي.
الأب يسمع في هذه الجملة تمردًا.
والابن يرى في غضب والده اعتداءً على استقلاله.
وفي الحقيقة قد لا يكون أحدهما سيئًا.
إنهما ببساطة يتحدثان بلغتين اجتماعيتين مختلفتين.
في الثقافة التي جاء منها الأب، الإنسان جزء من عائلة كبيرة. نجاحه نجاحها، وفشله يصيبها، وزواجه ليس شأن شخصين فقط، وأحيانًا حتى قراراته المالية لها امتداد عائلي.
أما الطفل الذي تربى في الغرب فيتعلم مبكرًا أن عليه أن يصبح مشروعًا مستقلًا بذاته.
وهكذا يحدث الصدام داخل البيت نفسه.
الأب يعيش في الشرق وهو جالس في غرفة معيشة أوروبية، والابن يعيش في أوروبا بينما يأكل كل مساء طعام الشرق على المائدة نفسها.
ثم جاء الهاتف المحمول والإنترنت ليضيفا عالمًا ثالثًا إلى البيت.
كان الطفل في السابق يتعلم الحياة من أبيه وأمه ومدرسته والشارع المحيط به.
أما اليوم فقد يتعرف في غرفته إلى ثقافات وأفكار وعلاقات وأنماط حياة لا يعرف عنها والداه شيئًا.
وفي الوقت نفسه أصبح الأبوان يعملان ساعات طويلة لتغطية تكاليف الحياة.
وقد تجلس الأسرة كلها في غرفة واحدة، لكن كل فرد فيها يعيش داخل شاشة منفصلة.
الأب منشغل بهاتفه.
الأم تتابع شيئًا آخر.
والأبناء في عوالم لا يعرف الوالدان أبوابها أصلًا.
ولهذا فإن الحديث عن انهيار قيم الأسرة بطريقة أخلاقية فقط لا يكفي.
لقد تغيرت الحياة نفسها.
لكن السؤال يبقى:
هل علينا أن نختار بين النموذجين؟
هل ينبغي أن نربي أبناءنا بالطريقة الشرقية القديمة بكل ما فيها من ترابط وتدخل، أم نذهب إلى النموذج الفردي الذي يمنح الإنسان استقلاله الكامل ولكنه قد يترك الأب والأم في نهاية العمر ينتظران زيارة؟
ربما لا نحتاج إلى هذا الاختيار أصلًا.
يمكن أن نتعلم من الغرب احترام استقلال الأبناء وخصوصيتهم وحقهم في اختيار تخصصهم وعملهم وشريك حياتهم.
وفي الوقت نفسه يمكن أن نحمل معنا شيئًا جميلًا من ثقافتنا لا ينبغي أن نفقده: أن الأب والأم لا يصبحان غريبين عندما يكبر الأبناء.
بر الوالدين لا يعني أن يعيش الابن الحياة التي اختارها أبوه له.
واستقلال الابن لا يعني أن يختفي الأب من حياته.
ولعل أنجح أب ليس من استطاع أن يجعل ابنه يحتاج إليه طوال العمر، بل من رباه حتى أصبح قادرًا على الوقوف وحده، ثم بقي الابن قريبًا منه لأنه يحبه، لا لأنه يخشاه أو يعتمد عليه.
وأنجح ابن ليس ذلك الذي يلغي نفسه إرضاءً لوالديه، ولكنه أيضًا ليس من يتذكرهما فقط عندما يصل إشعار إلى هاتفه بأن عيد ميلاد أحدهما قد حان.
ربما تحتاج الأسرة الحديثة إلى معادلة بسيطة يصعب تنفيذها:
أن نمنح أبناءنا جذورًا يعرفون منها من أين أتوا، وأجنحة يستطيعون بها أن يذهبوا حيث يريدون.
فلا الجذور وحدها تكفي، لأنها قد تربط الإنسان بالأرض حتى تمنعه من الطيران.
ولا الأجنحة وحدها تكفي، لأن من يطير بلا جذور قد يكتشف يومًا أنه لا يعرف أين يعود. وما بين بيت الأب العربي الذي قد لا يسمح لابنه بالابتعاد، وبيت الأب الأوروبي الذي قد ينتظر زيارة ابنه طويلًا، توجد مساحة إنسانية جميلة ربما تستحق أن نبحث عنها. مساحة يكون فيها القرب محبة لا سيطرة، والاستقلال حرية لا قطيعة.
وحين ألتقي صديقي مرة أخرى في النادي، قد لا أسأله عن والده.
لكنني في داخلي سأظل أفكر بذلك الرجل المسن الذي يسكن على بعد أمتار قليلة.
ربما لديه كل ما يحتاج إليه.
إلا دقائق قليلة من وقت ابنه.