الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لا‭ ‬أملك‭ ‬الوقت‭ ‬لزيارة‭ ‬أبي

بواسطة azzaman

لا‭ ‬أملك‭ ‬الوقت‭ ‬لزيارة‭ ‬أبي

فاروق الدباغ

 

ألتقي‭ ‬صديقًا‭ ‬سويديًا‭ ‬مرتين‭ ‬تقريبًا‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬في‭ ‬النادي‭ ‬الرياضي‭. ‬نتحدث،‭ ‬نضحك،‭ ‬ونجد‭ ‬أحيانًا‭ ‬متسعًا‭ ‬لأن‭ ‬نشرب‭ ‬فنجان‭ ‬قهوة‭ ‬معًا‭.‬

وفي‭ ‬أحد‭ ‬الأيام،‭ ‬دار‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬والده‭ ‬المسن‭.‬

كنت‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬الأب‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬منزله،‭ ‬وأن‭ ‬الدولة‭ ‬توفر‭ ‬له‭ ‬الرعاية‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬مع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬في‭ ‬السويد‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬انتباهي‭ ‬أن‭ ‬منزله‭ ‬لا‭ ‬يبعد‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬بيت‭ ‬ابنه‭.‬

سألته‭ ‬بعفوية‭:‬

ـ‭ ‬هل‭ ‬تزور‭ ‬والدك‭ ‬كثيرًا؟

أجابني‭ ‬بأن‭ ‬العمل‭ ‬والعائلة‭ ‬والتزامات‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬له‭ ‬وقتًا‭ ‬كافيًا‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬جوابه‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬القسوة‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬أعرف‭ ‬أنه‭ ‬يحب‭ ‬والده‭. ‬وربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬ظل‭ ‬جوابه‭ ‬عالقًا‭ ‬في‭ ‬ذهني‭.‬

وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أفكر‭: ‬كيف‭ ‬يستطيع‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬وقتًا‭ ‬للنادي،‭ ‬وللقهوة،‭ ‬وللكثير‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومه،‭ ‬بينما‭ ‬يصبح‭ ‬لقاء‭ ‬أبيه‭ ‬أو‭ ‬أمه‭ ‬أمرًا‭ ‬تؤجله‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬موعد‭ ‬آخر؟

ثم‭ ‬قلت‭ ‬لنفسي‭ ‬إن‭ ‬القضية‭ ‬ربما‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬صديقي،‭ ‬وأكبر‭ ‬من‭ ‬أبيه‭.‬

إنها‭ ‬حكاية‭ ‬عالم‭ ‬يتغير‭.‬

في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭ ‬أصبحت‭ ‬الدولة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بأدوار‭ ‬كانت‭ ‬الأسرة‭ ‬تتولاها‭ ‬طوال‭ ‬قرون‭. ‬يأتي‭ ‬موظف‭ ‬الرعاية‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬المسن،‭ ‬وهناك‭ ‬نظام‭ ‬صحي،‭ ‬وأدوية،‭ ‬ومساعدات،‭ ‬وخدمات‭ ‬منزلية،‭ ‬وربما‭ ‬زر‭ ‬صغير‭ ‬يستطيع‭ ‬الكبير‭ ‬أن‭ ‬يضغط‭ ‬عليه‭ ‬إذا‭ ‬احتاج‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭ ‬عاجلة‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية‭ ‬يبدو‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬منظمًا‭.‬

لكن‭ ‬بقي‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬تقدمًا‭ ‬أن‭ ‬توفره‭:‬

أن‭ ‬يجلس‭ ‬الابن‭ ‬بجوار‭ ‬أبيه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الساعة‭.‬

لا‭ ‬توجد‭ ‬مؤسسة‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬الأم‭ ‬شعورًا‭ ‬بأن‭ ‬أبناءها‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬سماع‭ ‬صوتها،‭ ‬ولا‭ ‬موظف‭ ‬رعاية‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬يد‭ ‬الابنة‭ ‬حين‭ ‬تمسك‭ ‬بيد‭ ‬والدتها‭.‬

الدولة‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬الرعاية،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬القرابة‭.‬

وهنا‭ ‬تذكرت‭ ‬عالمًا‭ ‬آخر‭ ‬جئت‭ ‬منه‭.‬

في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭.‬

الأب‭ ‬والأم‭ ‬لا‭ ‬ينتهيان‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الأبناء‭ ‬عندما‭ ‬يبلغون‭ ‬الثامنة‭ ‬عشرة‭. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يبدأ‭ ‬فصل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬والرعاية‭ ‬والنصح‭ ‬والخوف‭.‬

يبقى‭ ‬الابن،‭ ‬ولو‭ ‬بلغ‭ ‬الثلاثين،‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬أبوه‭ ‬معرفة‭ ‬أين‭ ‬ذهب،‭ ‬وما‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬اختاره،‭ ‬ومن‭ ‬سيتزوج،‭ ‬وأين‭ ‬سيسكن،‭ ‬وكيف‭ ‬سينفق‭ ‬ماله‭.‬

وقد‭ ‬تكون‭ ‬الابنة‭ ‬طبيبة‭ ‬أو‭ ‬مهندسة‭ ‬أو‭ ‬أستاذة‭ ‬جامعية،‭ ‬لكنها‭ ‬تسمع‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬العبارة‭ ‬القديمة‭ ‬نفسها‭:‬

نحن‭ ‬نعرف‭ ‬مصلحتك‭ ‬أكثر‭ ‬منك‭.‬

ليس‭ ‬الأمر‭ ‬دائمًا‭ ‬تسلطًا‭.‬

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬يكون‭ ‬خلفه‭ ‬حب‭ ‬هائل‭ ‬وخوف‭ ‬صادق‭ ‬وإحساس‭ ‬عميق‭ ‬بالمسؤولية‭.‬

فالأم‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬طفلها‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬عندما‭ ‬ارتفعت‭ ‬حرارته،‭ ‬وجلست‭ ‬قرب‭ ‬فراشه‭ ‬حتى‭ ‬الصباح،‭ ‬يصعب‭ ‬عليها‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭ ‬أن‭ ‬تقتنع‭ ‬فجأة‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬أصبح‭ ‬إنسانًا‭ ‬مستقلًا‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬حياته‭ ‬إلى‭ ‬إدارتها‭.‬

والأب‭ ‬الذي‭ ‬قضى‭ ‬نصف‭ ‬عمره‭ ‬يعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تعليم‭ ‬أبنائه‭ ‬يشعر‭ ‬أحيانًا‭ ‬بأن‭ ‬له‭ ‬حقًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يسلكوه‭.‬

وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المشكلة‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬قد‭ ‬بالغ‭ ‬في‭ ‬استقلال‭ ‬الفرد‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬الأب‭ ‬أحيانًا‭ ‬وحيدًا‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬أبنائه،‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬أسرنا‭ ‬بالغت‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬أبنائها‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬الابن‭ ‬عاجزًا‭ ‬أحيانًا‭ ‬عن‭ ‬العيش‭ ‬دون‭ ‬موافقة‭ ‬الأسرة‭.‬

هناك‭ ‬آباء‭ ‬يختارون‭ ‬التخصص‭ ‬الجامعي‭ ‬لأبنائهم‭.‬

وآخرون‭ ‬يقررون‭ ‬من‭ ‬يصلح‭ ‬زوجًا‭ ‬أو‭ ‬زوجة‭ ‬لهم‭.‬

وقد‭ ‬يمتد‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬والسكن‭ ‬والمال‭ ‬وتربية‭ ‬الأحفاد‭.‬

وباسم‭ ‬المحبة‭ ‬تتحول‭ ‬النصيحة‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا‭ ‬إلى‭ ‬وصاية،‭ ‬والخوف‭ ‬إلى‭ ‬رقابة،‭ ‬والحرص‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬خصوصية‭.‬

وبين‭ ‬هذين‭ ‬العالمين‭ ‬يقف‭ ‬المهاجر‭.‬

وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬الحكاية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭.‬

فالأب‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬أو‭ ‬الموصل‭ ‬أو‭ ‬دمشق‭ ‬أو‭ ‬الرباط‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬صورة‭ ‬للأسرة‭ ‬تشكلت‭ ‬خلال‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭.‬

ثم‭ ‬يكبر‭ ‬ابنه‭ ‬في‭ ‬ستوكهولم‭ ‬أو‭ ‬برلين‭ ‬أو‭ ‬أمستردام‭ ‬وهو‭ ‬يسمع‭ ‬منذ‭ ‬طفولته‭ ‬كلمات‭ ‬أخرى‭:‬

حياتك‭.‬

قرارك‭.‬

خصوصيتك‭.‬

اختيارك‭.‬

فيقول‭ ‬الأب‭:‬

نحن‭ ‬عائلة،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يقرر‭ ‬أحدنا‭ ‬وحده‭.‬

ويرد‭ ‬الابن‭:‬

لكنها‭ ‬حياتي‭.‬

الأب‭ ‬يسمع‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬تمردًا‭.‬

والابن‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬غضب‭ ‬والده‭ ‬اعتداءً‭ ‬على‭ ‬استقلاله‭.‬

وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬أحدهما‭ ‬سيئًا‭.‬

إنهما‭ ‬ببساطة‭ ‬يتحدثان‭ ‬بلغتين‭ ‬اجتماعيتين‭ ‬مختلفتين‭.‬

في‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬منها‭ ‬الأب،‭ ‬الإنسان‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬كبيرة‭. ‬نجاحه‭ ‬نجاحها،‭ ‬وفشله‭ ‬يصيبها،‭ ‬وزواجه‭ ‬ليس‭ ‬شأن‭ ‬شخصين‭ ‬فقط،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬حتى‭ ‬قراراته‭ ‬المالية‭ ‬لها‭ ‬امتداد‭ ‬عائلي‭.‬

أما‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬تربى‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬فيتعلم‭ ‬مبكرًا‭ ‬أن‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬مشروعًا‭ ‬مستقلًا‭ ‬بذاته‭.‬

وهكذا‭ ‬يحدث‭ ‬الصدام‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬نفسه‭.‬

الأب‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬وهو‭ ‬جالس‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬معيشة‭ ‬أوروبية،‭ ‬والابن‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بينما‭ ‬يأكل‭ ‬كل‭ ‬مساء‭ ‬طعام‭ ‬الشرق‭ ‬على‭ ‬المائدة‭ ‬نفسها‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬الهاتف‭ ‬المحمول‭ ‬والإنترنت‭ ‬ليضيفا‭ ‬عالمًا‭ ‬ثالثًا‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭.‬

كان‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬يتعلم‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬أبيه‭ ‬وأمه‭ ‬ومدرسته‭ ‬والشارع‭ ‬المحيط‭ ‬به‭.‬

أما‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬يتعرف‭ ‬في‭ ‬غرفته‭ ‬إلى‭ ‬ثقافات‭ ‬وأفكار‭ ‬وعلاقات‭ ‬وأنماط‭ ‬حياة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬عنها‭ ‬والداه‭ ‬شيئًا‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أصبح‭ ‬الأبوان‭ ‬يعملان‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬لتغطية‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة‭.‬

وقد‭ ‬تجلس‭ ‬الأسرة‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬واحدة،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬فيها‭ ‬يعيش‭ ‬داخل‭ ‬شاشة‭ ‬منفصلة‭.‬

الأب‭ ‬منشغل‭ ‬بهاتفه‭.‬

الأم‭ ‬تتابع‭ ‬شيئًا‭ ‬آخر‭.‬

والأبناء‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الوالدان‭ ‬أبوابها‭ ‬أصلًا‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬قيم‭ ‬الأسرة‭ ‬بطريقة‭ ‬أخلاقية‭ ‬فقط‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭.‬

لقد‭ ‬تغيرت‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬يبقى‭:‬

هل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نختار‭ ‬بين‭ ‬النموذجين؟

هل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نربي‭ ‬أبناءنا‭ ‬بالطريقة‭ ‬الشرقية‭ ‬القديمة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬ترابط‭ ‬وتدخل،‭ ‬أم‭ ‬نذهب‭ ‬إلى‭ ‬النموذج‭ ‬الفردي‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬استقلاله‭ ‬الكامل‭ ‬ولكنه‭ ‬قد‭ ‬يترك‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬العمر‭ ‬ينتظران‭ ‬زيارة؟

ربما‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬أصلًا‭.‬

يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتعلم‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬احترام‭ ‬استقلال‭ ‬الأبناء‭ ‬وخصوصيتهم‭ ‬وحقهم‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬تخصصهم‭ ‬وعملهم‭ ‬وشريك‭ ‬حياتهم‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نحمل‭ ‬معنا‭ ‬شيئًا‭ ‬جميلًا‭ ‬من‭ ‬ثقافتنا‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نفقده‭: ‬أن‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬لا‭ ‬يصبحان‭ ‬غريبين‭ ‬عندما‭ ‬يكبر‭ ‬الأبناء‭.‬

بر‭ ‬الوالدين‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬الابن‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬أبوه‭ ‬له‭.‬

واستقلال‭ ‬الابن‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يختفي‭ ‬الأب‭ ‬من‭ ‬حياته‭.‬

ولعل‭ ‬أنجح‭ ‬أب‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬ابنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬طوال‭ ‬العمر،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬رباه‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬وحده،‭ ‬ثم‭ ‬بقي‭ ‬الابن‭ ‬قريبًا‭ ‬منه‭ ‬لأنه‭ ‬يحبه،‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬يخشاه‭ ‬أو‭ ‬يعتمد‭ ‬عليه‭.‬

وأنجح‭ ‬ابن‭ ‬ليس‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يلغي‭ ‬نفسه‭ ‬إرضاءً‭ ‬لوالديه،‭ ‬ولكنه‭ ‬أيضًا‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬يتذكرهما‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬يصل‭ ‬إشعار‭ ‬إلى‭ ‬هاتفه‭ ‬بأن‭ ‬عيد‭ ‬ميلاد‭ ‬أحدهما‭ ‬قد‭ ‬حان‭.‬

ربما‭ ‬تحتاج‭ ‬الأسرة‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬معادلة‭ ‬بسيطة‭ ‬يصعب‭ ‬تنفيذها‭:‬

أن‭ ‬نمنح‭ ‬أبناءنا‭ ‬جذورًا‭ ‬يعرفون‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أتوا،‭ ‬وأجنحة‭ ‬يستطيعون‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬يذهبوا‭ ‬حيث‭ ‬يريدون‭.‬

فلا‭ ‬الجذور‭ ‬وحدها‭ ‬تكفي،‭ ‬لأنها‭ ‬قد‭ ‬تربط‭ ‬الإنسان‭ ‬بالأرض‭ ‬حتى‭ ‬تمنعه‭ ‬من‭ ‬الطيران‭.‬

ولا‭ ‬الأجنحة‭ ‬وحدها‭ ‬تكفي،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يطير‭ ‬بلا‭ ‬جذور‭ ‬قد‭ ‬يكتشف‭ ‬يومًا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أين‭ ‬يعود‭. ‬وما‭ ‬بين‭ ‬بيت‭ ‬الأب‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬لابنه‭ ‬بالابتعاد،‭ ‬وبيت‭ ‬الأب‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬ينتظر‭ ‬زيارة‭ ‬ابنه‭ ‬طويلًا،‭ ‬توجد‭ ‬مساحة‭ ‬إنسانية‭ ‬جميلة‭ ‬ربما‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عنها‭. ‬مساحة‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬القرب‭ ‬محبة‭ ‬لا‭ ‬سيطرة،‭ ‬والاستقلال‭ ‬حرية‭ ‬لا‭ ‬قطيعة‭.‬

وحين‭ ‬ألتقي‭ ‬صديقي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬النادي،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬أسأله‭ ‬عن‭ ‬والده‭.‬

لكنني‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬سأظل‭ ‬أفكر‭ ‬بذلك‭ ‬الرجل‭ ‬المسن‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أمتار‭ ‬قليلة‭.‬

ربما‭ ‬لديه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭.‬

إلا‭ ‬دقائق‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬ابنه‭.‬


مشاهدات 53
الكاتب فاروق الدباغ
أضيف 2026/08/12 - 1:40 PM
آخر تحديث 2026/08/13 - 12:55 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 619 الشهر 13757 الكلي 16103461
الوقت الآن
الخميس 2026/8/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير