المائدةُ التي لا تُبارَك
محمد خضيرِ الأنباريِ
ليستْ كلّ مائدةٍ عامرةٍ بالطعامِ مائدة تبارك، وليستْ كلّ دعوةٍ إلى وليمةِ دعوةٍ تشرفا منْ يلبيها. فهناكَ موائدُ يسبقها سؤالُ الضميرِ قبلَ أنْ تمتدَ إليها الأيدي: منْ أينَ جاءَ هذا المال؟ وهلْ نبتَ منْ كسبٍ طيب، أمْ منْ ظلمٍ وفسادٍ وحقوقٍ اغتصبتْ منْ أصحابها؟
قدْ يجدُ الإنسان نفسه مدعوا إلى مائدةٍ يقيمها صاحب جاهٍ أوْ ثراء، وهوَ يعلم، أوْ يغلبُ على ظنهِ بقرائنَ معتبرة، أنَ جانبا منْ هذهِ الثروةِ قدْ جمعَ منْ رشوة، أوْ اختلاس، أوْ احتيال، أوْ اعتداءٍ على المالِ العام، أوْ غشَ في العقودِ والمشروعات، أوْ غير ذلكَ منْ صورِ الكسبِ المحرم.
هنا لا تعودُ المسألة مجاملة اجتماعية عابرة، ولا مناسبة لإرضاءِ العلاقات، بلْ تتحولُ إلى امتحانا للضمير، واختبارا للقيم، وسؤالا عنْ موقفِ الإنسانِ منْ المالِ الذي اختلطتْ بهِ حقوقُ الآخرينَ وآلامهم.
إنَ المائدةَ ليستْ مجردَ أطباق تقدم، وإنما رسالة يحملها مصدر المالِ الذي أقيمتْ به؛ فإنْ كانَ المالُ طيبا، حلتْ البركة في الطعام، وإنْ كانَ خبيثا، فقدْ يغيبُ الشبع الروحي، وإنْ امتلأتْ البطون. ومنْ هنا يثورُ التساؤل: هلْ يجوزُ أنْ يجاملَ الإنسان على حسابِ مبادئه، أمْ أنَ الامتناعَ عنْ الجلوسِ إلى بعضِ الموائدِ هوَ في ذاتهِ موقف أخلاقيّ يعبرُ عنْ احترامِ الحق، وصيانةِ الضمير، ورفضِ التطبيعِ معَ الفساد؟
لقدْ دعا القرآنُ الكريمُ إلى تحري الحلالِ والابتعادِ عنْ أسبابِ الإثم، فقالَ تعالى: (يا أيها الذينَ آمنوا كلوا منْ طيباتِ ما رزقناكم) البقرة: 172، وقوله سبحانهُ وتعالى: (ولا تأكلوا أموالكمْ بينكمْ بالباطل) البقرة: 18، ، وقول نبينا الكريمِ محمدٍ (ص ) : (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات ) ، وحديثه الكريم: (دعْ ما يربكُ إلى ما لا يريبك ) .
لا تجيزُ الشريعةَ بناءَ الأحكامِ على الإشاعاتِ أوْ الظنونِ المجردة، فلا يجوزُ اتهامُ الناسِ في ذممهمْ المالية دونَ بينةٍ أوْ قرائنَ قوية، لكنْ إذا ثبتَ أنَ المال، الذي أقيمتْ بهِ الوليمةُ ناتجا عنْ جريمةٍ أوْ اعتداءٍ على حقوقِ الآخرين، فإنَ الابتعادَ عنْ تلكَ المائدةِ يكونُ أقربَ إلى سلامةِ الدينِ والضمير.
إنَ المالَ الحرام، لا يتحولُ إلى حلالٍ بكثرةِ أصحابه، ولا تغسلُ الرشوة بالمظاهر، ولا يصبحُ الفسادُ فضيلة؛ لأنَ صاحبهُ شيدَ القصور، أوْ أقامَ الولائم. فالقيمةُ الحقيقيةُ للإنسانِ لا تقاسُ بحجمِ ثروته، وإنما بالطريقِ الذي سلكهُ إليها، قالَ سبحانه وتعالى: ( والله لا يحبُ الفساد) البقرة: 205.
منْ المؤسف، أنَ بعضَ الناس، يحرصونَ على حضورِ موائدِ أصحابِ الثرواتِ المشبوهة، لا إعجابَ بأخلاقهم، وإنما طمعا في منفعة، أوْ تقربٍ إلى نفوذ، أوْ مجاراةٍ للمظاهرِ الاجتماعية، فهنا يفقدُ المال وظيفته المشروعة، ويتحولُ إلى وسيلةٍ لشراءِ المكانةِ والولاءات، معَ أنَ الكرامةَ لا تشترى، والاحترام الحقيقيّ لا يبنى على الأموال، بلْ على النزاهةِ وحسنِ السيرة.
لقدْ نهى الإسلامُ عنْ التفاخرِ بالأموالِ والزينة، فقالَ تعالى: (ألهاكمُ التكاثر) التكاثر: 1، وقالَ سبحانه وتعالى: إنَ أكرمكمْ عندَ اللهِ أتقاكمْ الحجرات: 13، فالغنى الحقيقيُ، ليسَ في كثرةِ المال، وإنما في غنى النفس، والإنسانِ يكرمُ بعملهِ وأمانتهِ لا بما يملكهُ منْ متاعِ الدنيا.
منْ الناحيةِ القانونية، فإنَ الأموالَ المتحصلةَ منْ الرشوةِ والاختلاسِ والاحتيالِ والجرائمِ الماليةِ تعرضَ أصحابها للمساءلةِ الجنائيةِ والمدنية، ويترتبُ عليها ردُ الأموالِ أوْ مصادرتها، فضلاً عنْ العقوباتِ التي يقررها القانون، فالفسادُ ليسَ مجرد انحرافٍ أخلاقي، بلْ اعتداء على المجتمع، وإهدار لحقوقِ المواطنين، وتقويض لثقةِ الناسِ بالدولةِ ومؤسساتها.
أما منْ الناحيةِ الصحية، فإنَ الإنسانَ لا يتغذى بجسدهِ وحده، بلْ بروحهِ وضميرهِ أيضا، قدْ يكونُ أشدَ ما يؤذي الإنسان ليسَ الطعام، وإنما شعوره الداخليّ بأنهُ يجاملُ الباطل، أوْ يمنحهُ شرعية بحضورهِ وصمته. فطمأنينةُ النفسِ نعمة، وراحةُ الضميرِ غذاء لا تقلُ أهميةٌ عنْ غذاءِ الجسد.
معَ ذلك، ينبغي التمييزُ بينَ الأحوال؛ فليسَ كلّ حضورٍ لمناسبةٍ اجتماعيةٍ يعني تأييدا لصاحبها، فقدْ تدعو الضرورات العائلية أوْ الرسمية إلى المشاركةِ دونَ رضا عنْ سلوكِ المدعو، أما إذا كانتْ الدعوةُ وسيلةً للتقربِ منْ المالِ المشبوه، أوْ طلبِ منفعةٍ أوْ جاه، فإنَ الاعتذارَ عنها بأدبٍ ولباقةٍ يكونُ أولى بحفظِ الكرامةِ وسلامةِ الموقف، منْ غيرِ إساءةٍ أوْ تشهيرٍ أوْ اتهام.
إنَ الإنسانَ ، لا يستطيعُ أنْ يمنعَ كلّ فساد، ولا أنْ يراقبَ مصدر كلِ مال، لكنهُ يستطيعُ أنْ يراقبَ نفسه، وأنْ يختارَ ما يباركهُ بحضوره، وما يبتعدُ عنهُ بصمته، وقدْ تكونُ بعض الموائدِ التي لمْ نجلسْ إليها أشرف منْ كثيرٍ منْ الموائدِ التي حضرناها؛ لأنها حفظتْ ديننا، وصانتْ ضمائرنا، وأبعدتنا عنْ مواطنِ الشبهة، لنجعل شعارنا: (لقمة طيبة، ويد نظيفة، وضمير حي، وموقف لا يساومُ على الحقِ) .
ليسَ كلّ ما يقدمُ على المائدةِ يستحقُ أنْ يؤكل، وليسَ كلُ دعوةٍ تستحقُ أنْ تلبى، وإنما تبقى الكرامةُ أغلى منْ الولائم، ويبقى الحلال أعظمَ بركة منْ كلِ ثراءٍ زائل.