المرآة التي نرى فيها أنفسنا
هدير الجبوري
ليست كل المرايا من زجاج، فهناك مرايا أكثر صدقاً تسكن في عيون الآخرين، وفي حياة كل منا أشخاص يمكن أن يرى نفسه في نظراتهم على نحو مختلف، أجمل، وأهدأ، وأكثر قبولا مما يظن عن نفسه.
لا نحتاج دائما إلى من يخبرنا بأننا جميلون، بقدر حاجتنا إلى من يجعلنا نشعر بذلك.
فالعين التي تحب لا تبحث في الوجه عن عيب، ولا تتوقف عند التفاصيل الصغيرة لتنتقص منا، بل ترانا بالصورة التي يراها القلب قبل العين.
ومن الحب أيضا أن نجد من يهتم بكلماتنا، من لا يمر عليها مرور العابرين، بل يهرع إلى الرد عليها، لأن ما نكتبه يعني له شيئا، ولأن وجودنا في يومه ليس تفصيلا هامشيا ،وفي المقابل هناك من لا يعنيه ما نقول ولا يهتم حتى بأن يجيب عنا، وقد تمر كلماتنا أمامه دون أن تترك أثراً، وبين هذا وذاك ندرك أن الاهتمام ليس دائما كلاما كبيراً، بل قد يكون رداً سريعاً، سؤالا صغيراً، التفاتة، أو مجرد شعور بأن هناك من ينتبه لنا حقاً.
وحتى حين يبدأ العمر في ترك آثاره علينا، حين يتسلل الشيب إلى شعرنا، ويتغير لون بشرتنا قليلا بفعل السنوات، وتظهر خطوط صغيرة حول أعيننا تحكي شيئا من أعوامنا وتعبنا وفرحنا، يبقى الحب الصادق قادراً على أن يرى ما وراء هذه التفاصيل، فالعين التي تحب لا تتوقف عند شعرة بيضاء أو خط ظهر على الوجه، لأنها ترى الإنسان الذي عرفته وأحبته، وترى في هذه العلامات حكاية عمر لا عيباً ينبغي إخفاؤه.
قد تتغير ملامحنا، لكن الذين يحبوننا بصدق لا يجعلون الزمن ينتقص من صورتنا في عيونهم، بل ربما تصبح بعض تفاصيل العمر أكثر جمالا، لأنها تحمل ذاكرة الأيام التي عشناها، والأحزان التي تجاوزناها، والضحكات التي تركت أثرها على وجوهنا.
أما من لا يعنيه أمرنا، أو لا يحمل لنا محبة حقيقية، فقد يرى فينا الكثير من الجمال ولا يشعر به ، قد يمر أمام ملامحنا الجميلة وكأنها شيء عادي، لأن القلب حين لا يحب لا يمنح العين القدرة على رؤية ما يستحق الإعجاب.
لهذا، علينا أن نحسن اختيار المرايا التي نرى أنفسنا فيها، وأن نحسن اختيار الأشخاص الذين نسمح لنظراتهم أن تؤثر في صورتنا عن ذواتنا. ليس كل رأي يستحق أن نصدقه، وليس كل نظرة تستحق أن تجعلنا نشك في أنفسنا...
لنبحث عنا في عيون الذين يحبوننا بصدق؛ أولئك الذين لا يبالغون في مدحنا، لكنهم يروننا كما نحن، ويعرفون عيوبنا ولا يجعلونها تلغي جمالنا، ويعرفون ضعفنا ولا يجعلونه سببا لاحتقارنا.
لا نبحث عن أنفسنا في عيون من لا يحبنا لا نقف طويلا أمام مرآة تشوهنا، ولا نجعل نظرة عابرة أو كلمة قاسية تهدم سنوات من معرفتنا بأنفسنا.
وفي النهاية، ربما لا تكون المسألة في أن نكون جميلين في عيون الجميع، فهذا مستحيل، وإنما أن نعرف أين نقف، ومن نسمح له أن يكون مرآتنا.
فبعض العيون مرايا رحيمة، تعيد إلينا صورتنا التي أضاعها التعب، وبعضها مرايا قاسية لا ترى فينا إلا ما تريد أن تراه. لذلك، اختاروا مراياكم بعناية... واختاروا قلوبا حين تنظرون إليها، ترون أنفسكم كما تستحقون أن تُروا: بصدق، وبمحبة، وبجمال لا تلغيه سنوات العمر ولا تغيره ملامح الزمن..