الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تحلّق البجعة خارج القفص

بواسطة azzaman

حين تحلّق البجعة خارج القفص

عبد المنعم حمندي

 

«عن المبدع، وهم الإيدولوجيا، وفضاء الإنسانية» في منتصف القرن الماضي، حين كان الشرق يلملم جراحه ويبحث عن فجره الخبيء، انهمرت في سمائه مياه التغيير العاتية، مع ولادة الأحزاب القومية واليسارية. كانت تلك الحقبة أشبه بنداءٍ ساحر جذب إليه أرهف الأرواح وأكثرها شفافية؛ فهرع الأدباء والشعراء والفنانون، يحملون قلوباً خافقة وأرواحاً ظمأى، ليلتحقوا براياتٍ وعدت بكسر القيد، وإشراق العدالة، وكرامة الإنسان.ولم يكن انحياز المبدع يومها وهمًا أو خطأً في الرؤية؛ فالعيبُ لم يكن يوماً في شرف الأهداف، ولا في طهارة الشعارات، ولا في جلال النظريات التي صاغتها العقول حُلمًا بعالمٍ فاضل. إنما كانت الخطيئةُ في الممارسة، والشرخُ الكبير في التطبيق. لقد كُتبت المبادئ بماء الورد، لكنها قُرئت وتُرجمت بأغلال السلطة وضيق الأيديولوجيا؛ فسرعان ما انكسرت تلك الشعارات البراقة على صخرة الواقع السياسي الصلب، واستحالت النوايا الطيبة إلى خيباتٍ مريرة، حين تحولت الأحزاب من بواباتٍ للحرية إلى أسوارٍ حديدية تدجن الفكر، وتقتل التعدد، وتُصادر الصوت الحر.إن المأساة التي تجرعها جيل التنوير ذاك لم تكن فشلاً للحلم، بل كانت صدمة الحالم وهو يرى «النظرية» الرؤوفة تتحول في يد السياسيين إلى «تطبيقٍ» يعصف بالإنسان. وهنا بالذات، تتجلى ماهية المبدع التي لا تقبل التزييف: فالشاعر والفنان والمفكر هم في أصل خلقتهم كائناتٌ محكومة بالشغف، تواقة أبداً إلى الحرية، ولا تملك إلا أن تنتصر للمظلوم، وتأسى للخاسر، وتنحاز في كل معارك الأرض إلى «الإنسان».إن المبدع لا يستطيع أن يتنفس في الغرف المغلقة، ومتى ما حُصر حلمه في إطار حزبٍ ضيق، أو سُجن في شرنقة طائفةٍ مغلقة، فقدَ بوصلته وتحول من شمسٍ تشرق على الجميع إلى شمعةٍ تُحرق لصالح فئة. إن تحزّب السياسة أداة، أما تحزّب الفن فخطيئة؛ لأن الفن بطبيعته يكره الجدران، ويزدرى التلبيس، ويكفر بالأطر التي تقيد الروح.المبدع الحقيقي لا يحمل بطاقة حزبية، ولا يترنم ببيان سياسي؛ إن انتماءه الأول والأسمى هو للوطن الأم—ذلك التراب الذي شكل جذوره وأعطاه هويته وصوته—ومن هذا الوطن الحر يمتد انتماؤه الأكبر والأرحب إلى «الإنسانية جمعاء». هو ذلك البكّاء على آلام الضعفاء في كل أفق، دون أن يسأل عن جنسهم أو دينهم، وهو الناطق باسم أولئك الذين كتمت السياسةُ أصواتهم.لقد علمتنا حكمة الخيبات أن النظريات قد تخطئ في أزمنتها، وأن التطبيقات قد تسقط في فخ القسوة، لكن الأدب الذي يصدر عن روحٍ حرة لا يموت. فدعوا الشاعر يحلم، ودعوا الفنان يحلق خارج أقفاص الأيديولوجيا؛ فهو لم يُخلق ليكون حارساً لشرعية حزب، بل خُلق ليكون أميناً على حلم الوطن، ووفياً لحق البشرية في الحرية والجمال.

 

 

 

 


مشاهدات 8
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/08/04 - 3:10 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 5:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 373 الشهر 4870 الكلي 16094574
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير