حين تتكلّم الأمكنة
نوري جاسم
ليست كل رحلة تُقاس بعدد الكيلومترات التي نقطعها، فبعض الرحلات تُقاس بما تتركه في القلب من أثر. ومن المنصورة إلى الإسكندرية كانت الوجهة معروفة، لكن المقصد الحقيقي كان البحث عن لحظة صفاء، وعن لقاءٍ مع صفحات مضيئة من تاريخ هذه الأمة. وقفنا عند مقام الإمام شرف الدين البوصيري، صاحب البردة، الشاعر الذي لم يكتب قصيدة فحسب، بل ترك ميراثًا روحيًا ما زال حيًا بعد قرون. وما إن يمر اسم البوصيري حتى تتردد في الذاكرة أبياته الخالدة: مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم. إنها كلمات تجاوزت حدود الشعر لتصبح جزءًا من الوجدان الإسلامي. ثم امتدت الرحلة إلى مقامات أبناء الإمام علي زين العابدين عليهم السلام، وإلى مقام الشيخ مرسي أبي العباس، والشيخ ياقوت العرش، والقارئ الشيخ محمد مكين الأسمر، وتلامذة الشيخ مرسي أبي العباس الأربعة عشر. هناك يشعر الزائر أن التاريخ ليس حكاية تُقرأ في الكتب، بل حضورٌ يلامس الروح، وأن الصالحين وإن غابوا بأجسادهم، فإن آثارهم الباقية ما زالت تدعو إلى المحبة والتسامح وذكر الله. وفي تلك الأجواء الهادئة، كان الدعاء هو خاتمة الرحلة وأجمل ما فيها. دعونا الله سبحانه وتعالى أن يحفظ العراق وأهله، وأن يديم عليه الأمن والاستقرار، وأن يحفظ سيدي الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني، وأن يبارك في مريدي الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، ويفتح لهم أبواب الخير والسداد. إن زيارة الصالحين ليست عودة إلى الماضي، بل تذكير بأن الإنسان يحتاج بين حين وآخر إلى أن يبتعد عن صخب الحياة، ليقترب من نفسه، ويجدد صلته بالله، ويستلهم من سير الرجال الذين جعلوا من الإيمان والعمل الصالح طريقًا يضيء للناس دروبهم. فهناك أمكنة لا تتكلم بالحجارة، وإنما بما تتركه في النفوس من سكينة، وما تبعثه في القلوب من أمل. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.