نفط اعمى وضمير ميت
صادق سعدون البهادلي
نفط أعمى وشعب جائع من سرق دفء الأرض؟(عمت عين النفط والبير والكاع احنه أهل النفط وندور رباع)هكذا صرخ الشاعر الراحل رحيم المالكي رحمة الله عليه بكلمات موجعة تختصر حكاية وطن يجلس فوق بحر من الثروات لكنه يمد يده بحثا عن لقمة وكرامة. ليست مجرد أبيات شعر بل شهادة حية على واقع مرير حيث أصبح النفط الذي كان يفترض أن يكون نعمة لعنة ثقيلة على صدور الناس.العراق هذا البلد الذي أنعم الله عليه بخيرات لا تعد ولا تحصى يقف اليوم أمام مفارقة قاسية. أرض تنبض بالنفط وسماء تمطر خيرا لكن الإنسان فيها يفتش عن أبسط مقومات العيش. كيف تحولت (الكاع) التي كانت رمز العطاء إلى أرضٍ عطشى؟ وكيف صار (البير) شاهدا على الفقر بدل أن يكون مصدر غنى؟إنها ليست مشكلة موارد بل مشكلة إدارة وضمير. حين يغيب العدل تسرق الثروات تحت مسميات شتى وتبدد الأموال في دهاليز الفساد فيبقى المواطن وحيدا يواجه واقعه. المواطن الذي كان يفترض أن يكون سيد هذه الأرض أصبح غريبا فيها يتفرج على خيرات بلده وهي تنهب أمام عينيه.لقد قال الله تعالى: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) لكن ما يحدث هو أبخس صور البخس حين يحرم شعب كامل من حقه الطبيعي في ثروته. وقال سبحانه: (إِن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم)وهي دعوة صريحة لمراجعة الذات ولإيقاظ الضمير الجمعي.رحيم المالكي لم يكن يكتب شعرا بل كان يكتب وجع الناس. كان يرى ما لا يريد البعض أن يراه شعب يملك كل شيء لكنه لا يملك شيئا.
وبين (النفط) و(الرباع) قصة وطن أُرهقته السنين وآن له أن يستفيق.إلى متى يبقى النفط أعمى لا يرى وجوه الجائعين؟إلى متى تبقى الأرض شاهدة على خيانة من باعوها؟إن صرخة الشاعر ليست نهاية الحكاية بل بدايتهافإما أن يعاد الحق لأهله أو ستبقى هذه الأرض تئن وسيكتب التاريخ هنا كان وطن غني قتله الفساد.أيها الجالسون على كراسي الحكم يا من تقاسمتم الوطن كغنيمة أما سمعتم أنين الأرض وهي تلعن من باعها؟أما رأيتم وجوه الفقراء وهي تشيّع كرامتها كل يوم عند أبوابكم؟نفط يفيض وشعب ينزف وأنتم بين صفقات وشعارات لا ترون إلا مصالحكم!
أيها البرلمان يا من يفترض أن يكون صوت الشعب متى أصبحتم صدى للأحزاب؟
وأيها السياسيون يا من تتحدثون باسم الوطن بأي وجه ستقفون أمام التاريخ والتاريخ لا يرحم؟
ستكتب الأيام أسماءكم لا كصناع مجد بل كشهود زور على جريمة وطن.وأما أنت يا رحيم المالكي يا من قلتها ومضيت تركت لنا جرحا مفتوحا وكلمة لا تموت(احنه أهل النفط وندور رباع)واليوم نقف على قبر الحقيقة نرددها بدموع أثقل من الكلام كأنك كنت ترى النهاية ونحن كنا غافلين.سلام عليك يوم قلتها بوجع ويوم رحلت وقلبك مثقل بهم الناس ويوم يبعث صوتك شاهدا على زمن خذل أهله أما أنتم فاعلموا:
إن صبر الشعوب ليس ضعفاوإن وجعها ليس صمتاوإن الليل مهما طال لا بد أن ينكسر وعندها لن ينفع الندم.