السيل البشري نحو سبتة .. هل هي خطوة نحو معاقبة سانشيز؟
حسن عبيد عيسى
وقف العالم يراقب بدهشة سيلاً بشرياً ضخماً ينطلق من مدن المملكة المغربية يومي الأربعاء والخميس يضم عشرات الآلاف من المهاجرين المغاربة متوجهاً صوب مدينة سبتة التي تدار من قبل أسبانيا والتي تعدها جزءً منها..
تباينت إحصاءات الأطراف المعنية التي أحصت هؤلاء المهاجرين ،فحاكم سبتة قدرهم بستين ألف قبل أن يُصار الى السيطرة على تدفقهم ،بينما خَفّضَت الحكومة الأسبانية العدد الى دون الخمسين ألف ..ثم أعلنت أنها نجحت في إعادة سبعة وثلاثين ألفاً منهم الى ديارهم التي إنطلقوا منها ..وقد قُدر عدد القاصرين الذين نجحوا في إختراق طوق المدينة بسبعة آلاف قاصر. فيما راح ضحية هذه المغامرة عدد من الأشخاص يصعب الوقوف على العدد الدقيق لهم ،إذ نقلت BBC مساء الخميس عن وسائل إعلام محلية أن ما لا يقل عن 57 مهاجراً لقوا حتفهم..ولما كانت عناصر البحرية الاسبانية تحدثت عن إنتشال جثث من البحر ،يعني أن ضبط العدد النهائي لم يحن وقته ،فثمة جثث غارقة ،مما يعني أن العدد قابل للزيادة..
ذكرتنا هذه الهجرة المفاجأة بهجرة آلاف الشبان العراقيين الى أوربا (ألمانيا على الأغلب) سنة 2015 وكيف أن عراقيلاً بعضها مميت وضعت في طريقهم لمنع وصولهم الى مبتغاهم.. ووصل أغلبهم حيث لم تكن هناك دوافع وحسابات تحول دون ذلك ،وما زال الناس يتذكرون موقف أنجيلا ميركل مستشارة المانيا الأسبق.
ترى ما وراء هذه الهجرة المغربية المفاجئة ؟،وهل ثمة جهات مؤثرة تقف وراءها؟.
لابد من تذكر أن رئيس وزراء أسبانيا بيدرو سانشيز ،وقف موقفاً صلباً ضد جرائم نتنياهو وأعمال الإبادة الجماعية التي ينفذها بحق الفلسطينيين ،وأنه كان أشد الحكومات الغربية تأثيراً وفاعلية ،وزاد من حدة مواقفه أنه منع الطائرات الأميركية المتوجهة لضرب إيران من الهبوط في القواعد والمطارات الاسبانية رغم كونهما عضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
محكمة جنائية
تميّز الموقف الاسباني الرافض للحرب الأميركية على ايران ،مع ما سبقه من موقف متشدد من نتنياهو بالصلابة ..فالقضاء الأسباني طالب في 16 تشرين الثاني 2016 بإعتقال نتنياهو مع ستة من وزرائه وقادة جيشه بتهمة الإعتداء على المشاركين بإسطول الحرية عام 2010 والذي نجم عنه مقتل ستة ناشطين ،وهذا الأمر القاضي بإعتقال نتنياهو سبق مذكرة المحكمة الجنائية الدولية التي صدرت في 21 تشرين الثاني 2024 بتسع سنين ،ومع أن رئيس الوزراء الاسباني الحالي لم يكن قد وصل الحكم وقتذاك (استلم الحكم سنة 2018) الا أنه بعد صدور مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بإعتقال نتنياهو أعلن أن اسبانيا ستنفذ المذكرة ،وزاد من تشدده بأن أدان السلوك الأميركي الرامي الى إيقاف العدالة الدولية من خلال معاقبة قضاة المحكمة المذكورة وإنه طالب الإتحاد الأوربي رسمياً بتفعيل قانون الحظر الأوربي لحماية قضاة المحكمة الجنائية الدولية.
تلك المواقف خلّقت فكرة إتخاذ تدابير وإجراءات عقابية أميركية ضده في عقل الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كيف رأى السياسيون والإعلام الاسباني واقعة الهجرة المغربية المفاجئة؟.لقد كان لموقف السياسيين الصهاينة دوراً في صناعة الموقف الاسباني من الأزمة ،لذا ومن خلال رصد سريع نجد ثمة ردود أفعال لسياسيين وإعلاميين أسبان ، فوزير النقل الاسباني أوسكار بوينتي ،وقد إستفزه تدخل داني دانون مبعوث الكيان في الأمم المتحدة نشر تغريدة قال فيها «أسبانيا التي لا تفوّت فرصة لإعطاء إسرائيل الدروس أعلنت حالة الطوارئ في سبتة ،على خلفية الأزمة المرتبطة بسياسة الهجرة لديها. وربما قبل أن تواصل إعطاءنا الدروس حان الوقت لأن تقترح للعالم لماذا لا تزال تحتفظ بجيوب إستعمارية في أفريقيا»..فكان رد الوزير الاسباني بأن لمّح الى تعاون (إسرائيل) والمغرب لشن هجرة كبيرة للإطاحة بالحكومة الاسبانية المعادية لإسرائيل كما ذكّر الوزير الذي ختم تغريدته بقوله «يبدو أن كل شيئ أصبح أكثر وضوحا « وهو ما فُسر على أن (إسرائيل) هي الصانع لهذا الحدث..
فيما أرجعت السياسية الاسبانية كارولينا الونسو ما حصل في سبتة نهاية الأسبوع الماضي الى تدبير (إسرائيل) المُتَّهَمة بإرتكاب إبادة جماعية في غزة ،بهدف إضعاف الحكومة الاسبانية بسبب موقفها المناهض للإبادة كما وصفت الونسو..
حركات انفصالية
أما في مجال الصحافة ،فإن الصحفي الأسباني خوسيه فيزنر عاد الى الأرشيف ليستخرج منه تغريدة ليائير نجل نتنياهو تعود الى سنة 2019 كشف فيها عن أن حكومة والده نتنياهو تموّل الحركات الإنفصالية في سبتة ومليلة ..وتساءل الصحفي فيزنر «فهل لا يزال هناك شك في أن ما يحدث اليوم إنتقاماً من سانشيز؟».
ويبدو أن فيزنر لم يطلع على تغريدة حديثة ليائير نتنياهو ، سخر فيها من رئيس وزراء أسبانيا نشرها في 29 مايو 2026 ، إذ دعا فيها سانشيز لإبرام صفقة يتخلى فيها عن سبتة ومليلة، وتعهد أن حكومة والده ستمتنع عن تمويل منظمات غير حكومية في اسبانيا ،مقابل إمتناع سانشيز عن تمويل منظمات غير حكومية في بلده(كما زعم) والتي تعمل على تخلي حكومتهم عن يهوذا والسامرة (الضفة الغربية).
إذن فهذا الشخص لم يكف عن توجيه الرسائل الى سانشيز ،وهي كلها لها علاقة بسبتة .
ولعل من المنطق ألإصغاء لإعلامي يعيش قريباً من موقع الحدث لإستبيان مزيد من الخفايا ،إنه الإعلامي المصري أحمد الدسوقي الذي يعيش في مالقة ثاني أكبر موانئ أسبانيا على المتوسط والذي أناط بنفسه مهمة (رصد الواقع المعاصر للمجتمع الاسباني ووضع العرب والمسلمين ).
لقد حمّل الدسوقي المعارضة الاسبانية المسؤولية ،إضافة الى جهات مغربية تريد أن تثبت لسانشيز أن للمغرب القدرة على تحريك ورقة سبتة والسيطرة عليها إن شاء ،وإنها تريد أن تسجل بادرة تصب في مساعي الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو لمعاقبة سانشيز. والحصول على مكاسب في الملعب الأوربي من خلال التلويح بورقة الهجرة ،والأهم من ذلك تأديب سانشيز لإقدامه على زيارة الجزائر في العشرين من تموز الجاري ..
فتلك الزيارة ملأت فضاء العلاقات المغربية الاسبانية بالشحناء ،فأسبانيا كانت تقف في صف المغرب بخصوص ملف الصحراء ..والآن صار الموقف على غير ما إعتاده المغاربة من الاسبان ، مما جعل البعض يتهم المغرب بتدبير هذه الموجة المفاجئة من المهاجرين اللاشرعيين.
وعلى الرغم من ذلك ،فإن الدبلوماسية مطالبة بتخفيف تلك الشحناء وإحتواء الأزمة ،وإن تعاون المغرب مع جهود الاسبان يخفف من وقع الصدمة ويقلل من فسحة الإتهام لها بتدبير تلك الموجة.. لذا أعلنت وزارة الداخلية الاسبانية ،أن تعاوناً أمنياً أسبانياً حقق هدفاً منشوداً في الحد من تدفق المهاجرين ،وأن الرباط أعلنت عن إستعدادها لتسهيل إعادة المتدفقين الى سبتة بعد أن تُسَلِّمهم السلطات الاسبانية ،وعلى هذا الأساس من التعاون الأمني فقد شكر وزير داخلية أسبانيا فرناندو غراندي مارلاسكا الجهات الأمنية المغربية مشيداً بحهودها المثمرة في هذا المجال.
كل هذا والكل يراقب رد فعل رئيس الوزراء الاسباني وينظر الى إصبعه ليعرف إتجاه الإتهام الذي سيتوجه صوبه..كان الرجل أكثر حكمة من سواه ،فلم يعمل على زيادة التوتر الذي ملأ النفوس والفضاء الإعلامي ،وأنما اتهم عصابات تهريب البشر ،وحمَّلها مسؤولية هذه الموجة المفاجئة من المهاجرين.،مما تسبب في إنتهاك سيادة بلاده .
ولا شك فإن توجيه رئيس وزراء أسبانيا الإتهام الى عصابات محددة ،فلا شك أنه يركن الى معلومات إستخباراتية دقيقة .. وإن تلك العصابات استغلت ثغرة قانونية ،متمثلة بقرار أصدرته المحكمة العليا الاسبانية في تموز الجاري ،فيه ما يخدم المغامرين ممن يصلون السواحل الاسبانية سباحة والقاصرين ،ويرى البعض أن تلك قراءة للقرار خاطئة مما يجعل الجدل بشأنه محتدماَ.. ولكن على العموم فإن فيه تسهيلات أكثر مما كان معمولاً به.
والسؤال المهم ..هل ان تلك العصابات عملت تلقائيا ،أم أن وراءها جهات دولية هي التي أغرتها وجعلتها تجمع هذه الحشود من الناس ليلاقوا الموت أو العنت على أيدي رجال القانون الاسبان؟..هنالك من يشكك في ذلك العمل كان مبادرة من العصابات..
ومن حق المغاربة أن ينزعجوا من تسييس القضية وإدخال جهات معادية خاصة الكيان الغاصب.. فمواطنوهم لا يمكن أن يوصفوا بأنهم دمى بيد نتنياهو ،ولكن الإستماع الى شهاداتهم يظهر أن هجرة نسبة كبيرة منهم كانت عبثية ولا مبرر لها ،فإحدى السيدات برّرت مشاركتها في مسيرة الهجرة ، أنها تريد أن تعرف مصير إبن أخيها المهاجر الى اسبانيا منذ سنين وإنقطعت أخباره ، وآخر قال، شاركت في هذه المسيرة لأكتشف أوربا ..وغيرهما كانت أسبابهم لا تقنع أحدا لقبول مغامرة خطيرة ،ناهيك عن بعضهم لا يحمل معه أي متاع ،فلا حقائب ولا تجهيزات ،فهل كانت غاية منظمي المسيرة التقاط الصور لهذه الجموع خصوصاً بعد أن تقع في إشكالات مع عناصر الحدود الاسبانية لتكوين مادة إعلامبة ذي قيمة عالية؟.
ولعل الإجراءات العقابية التي طالبت إيطاليا الاتحاد الأوربي تطبيقها بحق أسبانيا تجعل المرء يفكر عميقاً وينأى في التفكير ،فأن وراء الأكمة ما وراءها بعد قررت فورا تعليق العمل بإتفاقية شنغن مع أسبانيا ، وكأن القرار مكتوباً سلفاً ومحفوظاً في الأدراج التي في متناول اليد..وسرعان ما أعلنت فنلندا مؤازرتها للقرار الإيطالي ..ما حدا برئيس الوزراء الاسباني لأن يعرض إحصائية تبين أن المهاجرين الذين استقروا في أسبانيا منذ برزت مشكلة الهجرة اللاشرعية حتى الآن أقل بكثير من نظرائهم في دول أوربية أخرى..
ترى ،هل سيكون سانشيز الضحية الثانية بعد كريم خان الذي مازال يتلفت يميناً ويساراً مندهشاً من طريقة إقصائه التي لم يسمع من أصدر الحكم فيها دفاعه وينظر في أدلته.؟ خصوصاً وإن معارضة أسبانية قوية تتربص برئيس الوزراء سانشيز الدوائر.
ما إستجد في هذا الأمر ،أن اليمين الأسباني المتطرف ،والذي طالما إستفاد من قضية المهاجرين ووظّفها في برامجه الرامية الى عودته الى السلطة ،كما حدث قبل سنة وتحديداً يوم الثاني من آب 2025 ، عندما حشّد أنصاره للتظاهر بدعوى مقتل مُسن أسباني على يد شبان مهاجرين ..نراه اليوم يخرج للتظاهر ممنياً النفس بإسقاط سانشيز وحكومته ..فلقد بعث بالمئات من العنصريين ليعتصموا قبالة سفارة المفرب في مدريد وهم يهتفون بمسيحية أسبانيا ،ولا مجال للإسلام فيها ..
وما أن وطئت قدما سانشيز بر سبتة ليقف ميدانيًا على أزمة المهاجرين ،حتى إنطلقت حشود متطرفي اليمين صوبه يهتفون ضده وضد حكومته متهمين إياه «ببيع أسبانيا للمسلمين»..