المطلقة في قفص المحاكمة الإجتماعية
هند الحافظ
لا يكشف الطلاق حقيقة علاقةٍ انتهت بقدر ما يكشف حقيقة المجتمع. فما إن تُطوى القضية أمام القضاء، حتى تبدأ في المجتمع محاكمةٌ من نوعٍ آخر، لا يقودها قاضٍ، بل نظرات الناس وأحكامهم المسبقة.فالطلاق، في جوهره، نهاية علاقة زوجية استحال استمرارها؛ وهو تشريع أقرته الشرائع السماوية، ونظمه القانون، وجعلته مخرجًا حين تستحيل العِشرة.
لكن قد تتحول المرأة المطلقة في نظر بعض الناس من امرأة مرت بتجربة قاسية إلى متهمة بحكمٍ مؤبد، مطالبة في كل مرحلة بأن تبرر حياتها، لا لتبرئة نفسها، بل لنيل حقها الطبيعي في مواصلة العيش.
وهنا تبدأ المفارقة
فالمجتمع الذي يعلن تمسكه بالدين، ويتغنى بالأخلاق، ويُكثر الحديث عن حماية المرأة وصون كرامتها، هو ذاته الذي قد يجعل من المطلقة هدفًا لنظرات الريبة، وأسئلة الفضول، وأحكام الإدانة.
لا يسألها أحد: ماذا عانيتِ؟ ولا ماذا خسرتِ؟ ولا لماذا انتهى زواجك؟ بل يُختصر تاريخها كله في كلمة واحدة: “مطلقة”.وكأن الطلاق ليس تجربة إنسانية قد يمر بها أي رجل أو امرأة، بل وصمة تُلاحق المرأة وحدها، وتنتقص من مكانتها في نظر بعض أفراد المجتمع.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بجرأة هو: من الذي صنع هذه الوصمة؟
كرامة مطلقة
فالشرع لم يجعل من الطلاق عارًا، ولم ينتقص من كرامة المطلقة، بل حفظ لها حقوقها، وأجاز لها أن تبدأ حياة جديدة. لكن المجتمع، في بعض ممارساته، أضاف عقوبة لم ينص عليها دين ولا قانون، فجعل منها إنسانة تخشى نظرات الآخرين أكثر مما تخشى ألم التجربة نفسها.ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها لا تكتفي بعزلها اجتماعيًا، بل قد تجعلها أكثر عرضة للاستغلال. فحين تُوصم ويُنظر إليها على أنها أضعف أو أقل حماية، يجد بعض ضعاف النفوس فيها فريسة سهلة للتقرب منها تحت عناوين التعاطف أو المساعدة، بينما تكون النوايا في بعض الحالات أبعد ما تكون عن الاحترام أو المسؤولية.متناسين أن استغلال ضعفِ الناس ليس ذكاءً… بل انحدارٌ أخلاقي.تشير دراسات في علم النفس إلى أن الإنسان بعد الانفصال يمر غالبًا بفترة من الهشاشة العاطفية، تجعله أكثر حاجة إلى الدعم، وأكثر عرضة للخداع أو الاستغلال عند غياب السند الاسري والمجتمعي .
وهذه الحقيقة لا تخص المرأة وحدها، فالانفصال يترك أثره في الاثنين على حدٍ سواء، غير أن المرأة كثيرًا ما تتحمل عبئًا اجتماعيًا مضاعفًا بسبب النظرة السلبية التي ترافقها في بعض البيئات.المثير أن بعض من يحاولون استغلالها هم أنفسهم أول من يرفع شعارات الفضيلة، وأول من يدينها إذا رفضت الانصياع، أو إذا وقعت ضحية للخداع. هنا تتجلى أخطر صور ازدواجية المعايير؛ إذ يُحاسب الضحية، بينما يفلت المستغل من اللوم، وكأن الخطأ لا يبدأ إلا عندما تدافع المطلقة عن كرامتها.فليس من الإنصاف أن تتحول إلى مشروع شبهة لمجرد أن زواجها انتهى، بينما لا يُنظر إلى الرجل المطلق بالقدر نفسه من الريبة. فإذا كان الزواج علاقة بين طرفين، فلماذا تُحمَّل المرأة وحدها عبء الفشل؟ ولماذا تتحول حياتها الخاصة إلى شأن عام، في حين يُمنح الرجل فرصة البدء من جديد دون أن يحمل معه الوصمة ذاتها؟
إن المجتمع الذي يقيس أخلاق المرأة بحالتها الإجتماعية، ويتغاضى عن استغلال ضعفها، لا يواجه أزمة طلاق، بل أزمة في معاييره الأخلاقية ونظرته إلى الإنسان.وبحسب بيانات مجلس القضاء الأعلى، سُجلت في العراق آلاف حالات الطلاق خلال عام 2025، وهو رقم يعكس أن الظاهرة لم تعد حالات فردية، بل قضية اجتماعية تستحق الدراسة والمعالجة. غير أن معالجتها لا تبدأ بإدانة المطلقات، وإنما بفهم أسبابها، ودعم الأسرة، وتوفير الإرشاد، وحماية من يمرون بهذه التجربة من الاستغلال.
اجابة صادقة
فالانفصال لا ينتقص من قيمة المرأة، كما أن استمرار الزواج لا يمنح أحدًا صكًا بالفضيلة. والاخلاق تُقاس بطريقة التعامل مع الآخرين، وبالقدرة على احترام حقهم في العيش، لا بإصدار الأحكام عليهم .ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في أذهاننا هو: إذا كانت المطلقة ما تزال مطالبة بإثبات مدى ألتزامها الاخلاقي بعد انتهاء زواجها، فمن يطالب أولئك الذين يستغلون ضعفها بإثبات أخلاقهم؟ عندما نجد الإجابة الصادقة عن هذا السؤال، سندرك أن المشكلة لم تكن يومًا في امرأة انتهى زواجها، بل في غياب العدالة الاجتماعية التي تُنصف الإنسان وفق حالته الاجتماعية، لاوفق استقامته وسلوكه.