نبض القلم
الإستقلال
طالب سعدون
الاستقلال ليس علما ونشيدا وطنيا فقط بل ارادة وسيادة ، وهو اساس الحياة للدولة كنظام وللافراد ودورهم في تحمل المسؤولية في البناء والتطور ، ولاهمية هذه المفردة في حياة الشعوب تقيم الدول احتفالات كبيرة بمناسبة استقلالها وخروجها من السيطرة الاجنبية وتحقيق ارادتها.
والولايات المتحدة ليست استثناء من هذه القاعدة فقد مرت في الشهر الماضي (4 تموز ) الذكرى ال ( 250) لاستقلالها عن بريطانيا وكانت انذاك تتكون من 13 ولاية عرفت باسم ( المستعمرات الثلاث عشرة ) التي شكلت نواة الولايات المتحدة الامريكيىة بعد اعلان الاستقلال .
وكأي عيد وطني في العالم درجت امريكا كغيرها من البلدان ان تقيم سنويا احتفالات واسعة وعروضا ضخمة للالعاب النارية ومسيرات وطنية واستعراضات عسكرية ومهرجات كبيرة ونشاطات فنية تقدم فيها اغان وطنية وفعاليات اخرى.
وعادة ما تصدر بحوث ودراسات وتعقد ندوات عن المناسبة وما حقتته الولايات المتحدة خلال مسيرتهاوكيف اصبحت 50 ولاية والى اين سيؤول مستقبلها والمهمات التي تنتظرها .
ويلاحظ ان المناسبة هذا العام جاءت مختلفة عما اعتادت عليه امريكا في الاعوام السابقة فقد حلت وسط تغير في المزاج الامريكي الذي يبدو انه اكثر تشاؤماوانقساماواستقطابا سياسيا حادا وتراجعا في الثقة بالمؤسسات وقلقا بشأن المستقبل الاقتصادي والسياسي للبلاد على حد ما جاء في مقال تحليلي لصحيفة التايمز البريطانية، بقلم جيرارد بيكر الذي يرى أن احتفالات هذا العام تبدو باهتة ومنقسمة، فقد قاطعت بعض الولايات التي يقودها حكام ينتمون إلى الحزب الديمقراطي فعاليات رسمية، وتحول الاحتفال المركزي إلى مناسبة يغلب عليها الطابع السياسي المرتبط بالرئيس ترامب اكثر من كونها احتفالا وطنيا جامعا .
واظهرت استطلاعات للرأي تؤيد ما ذهب اليه هذا التحليل حيث ظهر أن 34 بالمئة فقط من الأمريكيين يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، بينما يرى قرابة 60 بالمئة أنها تمضي في المسار الخاطئ .
وهذا الرأي يتوافق مع التقرير الميداني الذي أعدته صوفيا كاي مراسلة البيت الابيض لصحيفة ( بوليتيكو ) الامريكية
وكشفت فيه الكيفية التي استولى بها فريق دونالد
ترامب على احتفالات الذكرى هذا العام التي بدت وكأنها اشبه بتجمع انتخابي لترمب منه إلى حفلة وطنية جامعة، مما يؤكد بوضوح عمق الاستقطاب الذي تعيشه امريكا في عيد الاستقلال هذا العام .
وضمن هذا التغيير في المزاج الامريكي خلال احتفالات الاستقلال هذا العام يلاحظ ان هناك تغيرا في الرأي في العلاقة مع ( اسرائيل ) ودعوة الى انهاء نفوذ اللوبي الصهيوني في امريكا ، وقد وصل الرفض الى حد ان يطالب ناشط سياسي بالاستقلال عن( اسرائيل ) مستنكرا هذه العلاقة بقوله ( قبل 250عاما كنا بحاجة الى الاستقلال عن الملك البريطاني واليوم نحن بحاجة الى اعلان استقلالنا عن اسرائيل ) كما قام ناشطون باحراق العلم الاسرائيلي واشعال السكائر من اللهيب المتصاعد في خطوة ساخرة للتعبيرعن الاحتجاج الشعبي والدعوة الى انهاء هذه العلاقة والنفوذ الصهيونيين والتدخل بالشؤون الداخلية والخارجية الامريكية وتوريط امريكا في حروب كلفتها الكثير ماديا وبشريا لان القتال الحقيقي ينبغي ان يكون الى جانب البلاد وليس الى جانب الكيان الصهيوني كما يرى ناشطون مع دعوات الى وقف الدعم الامريكي الى ( اسرائيل) وتسليط الضوء على الانتهاكات المستمرة في الاراضي المحتلة .
تلك ملاحظات تؤكد هذا التحول في المزاج الامريكي التي اُستخلصت من طبيعة الاحتفالات هذا العام بيوم الاستقلال ، ملاحظات تعطي ملامح عن حال ومستقبل امريكا وتشير الى ان نسبة عالية من الامريكيين اصبحوا ينظرون الى ( اسرائيل ) بانها تشكل عبئا على امريكا ولاول مرة يظهر التعاطف من المواطنين واضحا مع الفلسطينيين وسيكون ضاغطا على صاحب القرار بالتاكيد ، وضرورة استغلال هذا التحول عربيا واسلاميا لصالح القضايا العربية والاسلامية العادلة .
تلك ملاحظات هل ستؤدي الى ازمات حقيقة تؤثر على القوة الامريكية ام محطات عابرة ستتجاوزها امريكا ، خاصة وانها لم تكن وحدها دون منافس بل هناك من ينافسها في هذه القوة كالصين مثلا ..؟
ذلك ما يكشفه المستقبل .
كلام مفيد:
لا تقاس حياة الانسان بالسنوات بل بمقدار ما يترك فيها من اثر، وهو العمر الحقيقي له .