فم مفتوح .. فم مغلق
أكره الصيف.. وهذه أسبابي
زيد الحلي
لفت الزميلان الدكتور طه جزاع وستار الشمري نظري، في الكروب الذي يجمعنا، إلى أنني لم أتناول هذا العام موضوع قسوة حرارة الصيف، أو ما نسميه بـ»جمرة القيظ»، كما اعتدتُ أن أفعل في السنوات الماضية. وكانت ملاحظتهما، التي امتزج فيها الجد بشيء من الدعابة، ذات مغزى فهمته جيدا، فقد دأبت في كل صيف على الكتابة عن هذه المعاناة، مسايرة لهموم المواطنين، لأن الصحافة تبقى صدى المجتمع، ولسان معاناته، وشجرةً لا تثمر إلا بالأفكار والرؤية السليمة، وهي مرآة القلب، وترجمان العقل، ورسول رحمة وهداية وعطاء. ومع معرفتي بأن الصيف في بلادنا فصلٌ موحش للكاتب قبل غيره، فإنني أشعر أن الحروف نفسها تهرب من بين أصابعه، ويجف مداد قلمه، وتغدو الصفحات أمامه صماء بكماء، مهما حاول أن يستنطقها. فالكتابة، في مثل هذه الأيام، تصبح مزاجًا قبل أن تكون قدرة، وحالةً نفسية تتلبس الكاتب بمجرد أن يجلس أمام الورقة، سواء أكانت لديه رغبة في الكتابة أم لم تكن.
ولم أحتج إلى استطلاع أو استبيان لأعرف مشاعر الناس في هذه الأيام، فما من شخص سألته عن رحلته اليومية مع الحر اللاهب، والغبار الخانق، إلا وأجابني بأنه يكره هذه الأيام، لأنها تبعث على الكسل والخمول، وتستنزف الجسد والنفس معًا، ولاسيما بعد أن تجاوزت درجات الحرارة في عدد من المحافظات إحدى وخمسين درجة مئوية، الأمر الذي دفع بعض مجالس المحافظات إلى تعطيل الدوام الرسمي، حفاظا على صحة المواطنين والحد من الإصابات المرتبطة بالإجهاد الحراري.
إننا، بحق، نعيش في أتون نصف الغليان. حرارة لا تطاق، أثرت في النفسيات، وقلبت الأمزجة، وأضعفت التركيز، وزادت من حدة ردود الأفعال، ووسعت دائرة الاندفاع والعصبية، حتى غدا أبسط المواقف قادرا على إشعال الخلافات.
ولأنني أعرف أن نفسية القارئ في هذا القيظ مرهقة أصلًا، بفعل تذبذب الطاقة الكهربائية، وانقطاعات الماء، وثقل الحياة اليومية، لم أشأ أن أثقل عليه بسيل آخر من كلمات الشكوى. لكن الوقوف دقائق معدودة تحت هذا الوهج الملتهب، كما يفعل رجل المرور كل يوم، وهو يؤدي واجبه بإخلاص وشجاعة، كفيل بأن يجعلنا ندرك معنى أن يعيش الإنسان داخل فرن مفتوح. ومن هنا، فإن أقل ما نستطيع تقديمه هو المطالبة بمزيد من الرعاية والدعم لرجل المرور، ولكل من يعمل في الميدان تحت هذه الشمس القاسية، من عمال النظافة، وعمال البلديات، ورجال الدفاع المدني، وسائر الكادحين الذين يواجهون القيظ بصمت وشرف.
إن «جمرة القيظ» ليست مجرد حرارة مرتفعة، فهي المتهم الأول دائمًا. فهي لا تسبب ضربات الشمس فحسب، ولا تزيد الإجهاد الحراري على الإنسان وسائر الكائنات الحية فحسب، بل تمتد آثارها إلى الدماغ وآليات عمله، إذ تشير الدراسات إلى أن الحرارة الشديدة تؤثر في التركيز والانتباه وسرعة الاستجابة، وترفع مستويات التوتر والانفعال. كما أن كبار السن، والأطفال، والمصابين بالأمراض المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض الجهاز التنفسي، هم الأكثر عرضة لمضاعفاتها، بل إن الأصحاء أيضًا قد يصيبهم الإعياء وضعف اليقظة إذا طال تعرضهم لها.
وللزميلين العزيزين، د. طه جزاع وستار الشمري، أقول: شكرا لكما... فقد جعلتماني أكتب مرة أخرى عن الفصل الذي لا أطيقه. ولعل أجمل ما في الصيف أنه يذكرنا بقيمة الظل، كما تذكرنا المحن بقيمة الإنسان. فحين يشتد القيظ، ندرك أن نعمة صغيرة، كنسمة هواء أو ظل شجرة أو قطرة ماء بارد، قد تعادل كنوز الدنيا كلها.
Z_alhilly@yahoo.com