الأستاذ الجامعي بين النقد المسؤول والخطاب الشعبوي
خميس الخزرجي
ليس الخلاف في أن يُنتقد الأستاذ الجامعي، فالنقد حقٌ مشروع، بل هو أحد أدوات الإصلاح والتقويم في المجتمعات الحية. فلا توجد مؤسسة أو مهنة فوق المساءلة، ولا أحد بمنأى عن النقد متى كان قائماً على الوقائع والأدلة والإنصاف. لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول الذي يستند إلى المعرفة والحقائق، وبين الخطاب الشعبوي الذي يبني أحكامه على الانطباعات والتعميمات، ويختزل رسالة أكاديمية عظيمة في أرقام أو ساعات دوام أو تصورات بعيدة عن الواقع.
لقد شهدت الساحة الإعلامية في الآونة الأخيرة موجة من التصريحات والمنشورات التي تناولت الأستاذ الجامعي بطريقة أوحت للرأي العام بأن التدريسي يتمتع بامتيازات كبيرة مقابل جهد محدود، وهي صورة لا تعكس حقيقة العمل الأكاديمي، ولا تنسجم مع ما يعيشه آلاف الأساتذة في الجامعات العراقية من مسؤوليات علمية وبحثية وإدارية متواصلة.
ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق أن بعض المنابر الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي أخذت تتناول الأستاذ الجامعي من دون معرفة دقيقة بطبيعة رسالته، فتُطلق الأحكام العامة، وتختزل سنوات طويلة من الدراسة والخبرة والعطاء في صورة نمطية لا تمت إلى الواقع بصلة. إن مثل هذا الخطاب لا يسيء إلى شخص الأستاذ فحسب، بل ينعكس سلباً على مكانة الجامعة وهيبة العلم في المجتمع، ويُضعف الثقة بإحدى أهم المؤسسات التي تُعنى بصناعة الإنسان.
إن وظيفة الأستاذ الجامعي لا تبدأ مع تسجيل الحضور ولا تنتهي بانتهاء الدوام الرسمي. فالقاعة الدراسية ليست سوى جزء من منظومة متكاملة تشمل إعداد المحاضرات، والإشراف على بحوث التخرج، والإشراف على طلبة الدراسات العليا، ومناقشة الرسائل والأطاريح، وتحكيم البحوث العلمية، وتأليف الكتب، ونشر الدراسات في المجلات المحكمة، والمشاركة في المؤتمرات والندوات، والعمل في اللجان العلمية والإدارية، فضلاً عن متابعة ما يستجد من إنتاج علمي عالمي بصورة مستمرة.
إن الأستاذ الجامعي يعيش التزامات علمية لا يراها كثيرون، فهو يقضي ساعات طويلة خارج أسوار الجامعة في القراءة والبحث والكتابة والتحضير والتقويم، حتى أصبحت حياته الشخصية والعائلية في كثير من الأحيان رهينة لمتطلبات العمل الأكاديمي. فكثير من المناسبات الاجتماعية والعائلية يغيب عنها بسبب مسؤولياته العلمية، وليس تعاليًا على المجتمع كما قد يتصور البعض، وإنما لأن طبيعة هذه الرسالة تفرض عليه أن يبقى في حالة تعلم دائم، فالعلم لا يعرف التوقف، والجامعة لا تستطيع أن تؤدي رسالتها إذا انقطع أستاذها عن القراءة والبحث والإنتاج العلمي.
ومن المؤسف أن يُفسر هذا الانشغال العلمي أحيانًا على أنه عزلة أو تكبر، بينما هو في حقيقته انعكاس لطبيعة مهنة تقوم على التجديد المستمر، وإعداد الأجيال، وصناعة المعرفة. فالحصول على شهادة الدكتوراه ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ إذ تبدأ بعدها رحلة البحث العلمي الحقيقي، ومواكبة التطورات المتسارعة في الاختصاص، وتحمل مسؤولية إعداد الباحثين والطلبة.
أما الحديث عن الرواتب، فينبغي أن يكون بعيدًا عن المبالغات والتعميم. فالسلم الوظيفي في الدولة يحدد الرواتب وفق اللقب العلمي وسنوات الخدمة والاستحقاقات القانونية، ولا يجوز تقديم حالات محددة على أنها تمثل جميع التدريسيين. ومن يبلغ أعلى الدرجات الوظيفية يكون قد أمضى عقودًا طويلة في خدمة التعليم، بعد سنوات طويلة من الدراسة والتدرج العلمي والإنتاج البحثي والإشراف الأكاديمي.
كما أن تحميل الأستاذ الجامعي وحده مسؤولية تراجع التعليم أو التصنيفات العالمية يمثل قراءة غير موضوعية لواقع معقد تشترك فيه عوامل متعددة، منها السياسات التعليمية، والتمويل، والبنية التحتية، والبحث العلمي، والتشريعات، والظروف الاقتصادية، وهجرة الكفاءات. فلا يمكن اختزال هذه التحديات في شخص التدريسي أو راتبه.
إن الدول التي حققت نهضتها العلمية والاقتصادية لم تبدأ بإضعاف مكانة الأستاذ الجامعي، بل جعلت التعليم العالي والبحث العلمي أولوية وطنية، وأدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان. ولذلك عملت على توفير بيئة مستقرة للباحثين والأكاديميين، لأنهم يمثلون رأس المال الفكري الذي يُبنى عليه مستقبل الأمم.
إن الخطاب الإعلامي يحمل مسؤولية أخلاقية ووطنية، لأنه لا يؤثر في الأفراد فحسب، بل يصوغ وعي المجتمع ويشكل اتجاهاته. ولذلك فإن الحديث عن الجامعات وأساتذتها ينبغي أن يستند إلى المعلومات الدقيقة، وأن يُنصف آلاف الأكاديميين الذين يعملون بصمت، ويؤدون رسالتهم رغم التحديات والضغوط المتزايدة.
إن الدفاع عن الأستاذ الجامعي لا يعني منحه حصانة من النقد، بل يعني المطالبة بأن يكون النقد قائماً على الوقائع لا الانطباعات، وعلى التقييم الموضوعي لا الأحكام العامة. فمن حق المجتمع أن يحاسب المقصر، لكن ليس من حق أحد أن يعمم التقصير على مؤسسة تضم آلاف الكفاءات التي أفنت أعمارها في بناء الإنسان وخدمة الوطن.
ويبقى احترام الأستاذ الجامعي احتراماً للعلم ذاته، وللجامعة، وللمعرفة، وللمستقبل. فالأمم التي تحفظ مكانة علمائها ومعلميها هي الأمم التي تصنع الحضارة، أما المجتمعات التي تجعل من أصحاب المعرفة هدفاً للخطاب الشعبوي، فإنها تُضعف أهم أدوات نهضتها بنفسها
إن العراق اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب إعلامي رصين يدعم مؤسسات المعرفة، ويعزز الثقة بالجامعة، ويفتح أبواب الحوار المسؤول، لا أن يغذي الانطباعات السطحية أو يكرس الصور النمطية. فالكلمة أمانة، والإعلام رسالة، والجامعة تبقى أحد أهم أعمدة الدولة الحديثة، وحماية مكانتها ليست دفاعاً عن فئة مهنية، بل دفاع عن مستقبل الوطن بأسره.